بوابة الجمهورية الاخبارية موقع اخباري شامل يضم كافة الاخبار المحلية والعالمية واخبار الاسعار والحوادث والتقارير الاخبارية

من المدرجات إلى الاقتصاد – كرة القدم المصرية بين الاستثمار والحوكمة والاستدامة المالية

- Advertisement -

بقلم: د محمد سافوح
لم تعد كرة القدم في عالم اليوم مجرد لعبة تحسمها الأهداف والبطولات بل أصبحت صناعة اقتصادية متكاملة تتنافس فيها الدول والمؤسسات على الاستثمار والعوائد والتأثير ولم تعد قيمة النادي تقاس فقط بحجم جماهيريته أو عدد بطولاته وإنما بقدرته على تحويل هذه الجماهيرية إلى قيمة اقتصادية مستدامة واستثمار أصوله بكفاءة وبناء نموذج مالي قادر على الاستمرار والنمو.

ومن هنا يبرز السؤال الأهم: لماذا تمتلك كرة القدم المصرية كل هذه الجماهيرية والإمكانات التاريخية بينما لا تزال العديد من مؤسساتها تواجه تحديات التمويل وتراكم الالتزامات وضعف تنويع الإيرادات؟

إن القضية ليست مجرد نقص في الموارد بل تتعلق في جانب مهم منها بكيفية إدارة الموارد وتحديد الأولويات وتحويل الفرص المتاحة إلى عوائد حقيقية. فالجماهيرية تمثل قوة تسويقية هائلة، والأصول الرياضية تمثل فرصًا استثمارية والمواهب الشابة تمثل ثروة بشرية قابلة للتنمية لكن هذه المقومات لا تتحول تلقائيًا إلى نجاح اقتصادي ما لم تستند إلى رؤية واضحة وإدارة احترافية وحوكمة فعالة.

أولًا: من إدارة النشاط الرياضي إلى صناعة الاستثمار

يتطلب تطوير كرة القدم المصرية تجاوز المفهوم التقليدي الذي يحصر إدارة النادي في تدبير نفقات الفرق والتعاقد مع اللاعبين والانتقال إلى نموذج مؤسسي يتعامل مع كرة القدم باعتبارها نشاطًا اقتصاديًا له تكاليفه وإيراداته ومخاطره وفرص نموه.

ويبدأ ذلك بتنويع مصادر الدخل من خلال حقوق الرعاية والبث والتسويق الرقمي وبيع المنتجات الرسمية وتطوير الأكاديميات واستثمار المنشآت وتنمية المواهب وتسويق اللاعبين وفق أسس احترافية. كما يتطلب إعداد خطط أعمال واقعية ودراسات جدوى دقيقة تربط الإنفاق بالعائد وتحدد المسؤوليات وتضع أهدافًا قابلة للقياس.

فالاستثمار الرياضي الناجح لا يقوم على ضخ الأموال وحده وإنما على حسن توظيفها والقدرة على إدارة المخاطر وبناء مصادر دخل متكررة تقلل الاعتماد على الدعم الاستثنائي والتمويل قصير الأجل.

ثانيًا: الحوكمة هي خط الدفاع الأول عن المال الرياضي

لا يمكن الحديث عن استثمار مستدام في غياب الحوكمة فوضوح الاختصاصات والفصل بين المسؤوليات التنفيذية والرقابية والشفافية في التعاقدات والانضباط المالي والمراجعة المستقلة والمساءلة عن النتائج ليست إجراءات شكلية بل ضمانات لحماية الموارد وتعزيز ثقة المستثمرين.

وتحتاج المؤسسات الرياضية إلى موازنات واقعية ونظم رقابة داخلية فعالة وتقارير مالية واضحة ومؤشرات أداء تقيس النتائج الرياضية والاقتصادية معًا. كما ينبغي أن تخضع القرارات الاستثمارية لدراسات موضوعية بعيدًا عن القرارات العشوائية أو الاعتبارات قصيرة الأجل.

فالمؤسسة التي لا تعرف تكلفة نشاطها بدقة ولا تقيس عائد استثماراتها ولا تحدد مسؤولية اتخاذ القرار تظل معرضة لتكرار الأخطاء مهما امتلكت من موارد.

ثالثًا: شركات كرة القدم.. فرصة حقيقية لا مجرد تغيير في الشكل القانوني

يمثل نموذج شركات كرة القدم فرصة لتطوير الإدارة الرياضية وجذب الاستثمارات وتوسيع النشاط التجاري لكنه ليس حلًا سحريًا بمجرد تأسيس الشركة أو تغيير الشكل القانوني للنشاط.

-- Advertisement --

فالنجاح يتطلب تحديدًا واضحًا للعلاقة بين النادي وشركة الكرة وتنظيم حقوق استخدام الاسم والشعار والمنشآت وتوزيع المسؤوليات والالتزامات ومنع تضارب المصالح وحماية حقوق المساهمين والجماهير والجهات المالكة للأصول.

كما يتطلب إدارة محترفة تعمل وفق استراتيجية معتمدة وخطة مالية قابلة للتنفيذ وتخضع للمحاسبة على النتائج فشركة كرة القدم التي تكرر أساليب الإدارة التقليدية نفسها قد تنقل الأعباء من كيان إلى آخر دون أن تعالج جذور المشكلة.

والهدف الحقيقي ليس إنشاء شركات تحمل أسماء جديدة بل بناء مؤسسات قادرة على تحقيق قيمة اقتصادية مضافة وتعزيز القدرة التنافسية للكرة المصرية.

رابعًا: الأصول الرياضية ثروة يجب أن تعمل

تمتلك بعض المؤسسات الرياضية أصولًا ومنشآت وأراضي يمكن أن تشكل قاعدة لمشروعات استثمارية واعدة إلا أن قيمة هذه الأصول لا تتحقق بمجرد امتلاكها وإنما بحسن إدارتها وتعظيم الاستفادة منها وفق القانون ودراسات الجدوى.

ويمكن تطوير المنشآت ومراكز التدريب والأكاديميات وإقامة مشروعات خدمية ورياضية متكاملة من خلال شراكات مدروسة مع القطاع الخاص بما يحقق عوائد مستدامة ويوفر فرص عمل للشباب ويدعم انتشار الرياضة.

ويجب أن تقوم هذه الشراكات على تقييم عادل للأصول وعقود واضحة وضمانات كافية لحماية الملكية والحقوق العامة بحيث يتحقق الاستثمار دون التفريط في الثروة أو تحميل الجهات المالكة مخاطر غير محسوبة.

خامسًا: الدولة شريك في بناء المنظومة وليست بديلًا عن الإدارة

إن دور الدولة لا يقتصر على تنظيم المسابقات أو دعم النشاط الرياضي بل يمتد إلى تهيئة بيئة تشريعية واستثمارية مستقرة وتطبيق قواعد المنافسة العادلة وتعزيز الشفافية وتشجيع الشراكات الجادة وربط التطوير الرياضي بأهداف التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

والمطلوب هو تحقيق التوازن بين الدور المجتمعي للأندية ومتطلبات الإدارة الاقتصادية الحديثة فلا تتحول المؤسسات الرياضية إلى مشروعات تجارية تفقد رسالتها المجتمعية ولا تظل في المقابل كيانات تعتمد على الدعم دون خطة واضحة للاستدامة.

كما أن الاحتراف المالي يقتضي ألا يتجاوز الإنفاق قدرة المؤسسة على التمويل وأن تكون التعاقدات والرواتب والالتزامات المستقبلية مبنية على موارد واقعية مع الالتزام بالقوانين واللوائح المنظمة للمنافسات والاستثمار الرياضي.

سادسًا: الاستدامة المالية هي المعيار الحقيقي للنجاح

قد يحقق النادي بطولة ثم يواجه أزمة مالية وقد ينفق مبالغ ضخمة دون أن يحقق عائدًا يتناسب معها. لذلك لا بد من الفصل بين النجاح الرياضي الآني والنجاح المؤسسي طويل الأجل مع إدراك أن كليهما يمكن أن يدعم الآخر إذا أحسنت الإدارة التخطيط.

وتبدأ الاستدامة المالية ببناء موازنة منضبطة وإ

-- Advertisement --

Leave A Reply

Your email address will not be published.