كتبت نجوي فياض.من يربح المعركة… النشأة أم الإرادة؟
كتبت نجوي فياض.من يربح المعركة... النشأة أم الإرادة؟
- Advertisement -
منذ أن يفتح الإنسان عينيه على الحياة، تبدأ ملامح شخصيته في التشكل داخل بيئة لم يخترها، وبين وجوه لم ينتقها، وفي ظروف قد تكون رحيمة وقد تكون قاسية. يتعلم أولى كلماته من أسرته، ويكتسب أولى عاداته من محيطه، ويكوّن نظرته الأولى إلى نفسه وإلى العالم من خلال ما يراه ويسمعه ويعيشه. ولهذا كان للنشأة أثر بالغ في صناعة الشخصية، حتى ظن البعض أنها ترسم مصير الإنسان إلى الأبد. غير أن الحياة، بما تحمله من تجارب، تثبت أن النشأة ليست سوى بداية الطريق، وأن الإرادة الواعية قادرة على أن تعيد رسم ملامح الإنسان مهما كانت بداياته. لقد أدرك المفكرون والأدباء أن الإنسان ليس صفحة بيضاء يكتب عليها المجتمع ما يشاء ثم تُغلق إلى الأبد، بل هو كائن قادر على مراجعة ذاته، وإعادة بناء أفكاره، وتصحيح مساره. فالنشأة تزرع البذور الأولى، لكنها لا تمنع العقل من أن يختار ما يستحق البقاء وما ينبغي اقتلاعه. لذلك كانت معركة الإنسان الحقيقية ليست مع ظروفه، بل مع استسلامه لها. ويؤكد عباس محمود العقاد في كتابه «ساعات بين الكتب» أن قيمة الإنسان لا تُقاس بما يملكه من مواهب أو بما يحيط به من ظروف، وإنما بما يمتلكه من إرادة تدفعه إلى استثمار تلك المواهب وتجاوز تلك الظروف. فالإرادة عند العقاد ليست أمنية عابرة، بل قوة داخلية تصنع الشخصية وتمنحها القدرة على النهوض بعد كل عثرة. ومن هنا نفهم أن الإنسان قد يولد في بيئة متواضعة، لكنه يبلغ من المجد ما لا يبلغه من وُلد في أفضل البيئات إذا امتلك العزيمة والإصرار. وتأتي رؤية توفيق الحكيم لتضيف بعدًا آخر إلى هذه الفكرة؛ ففي كثير من أعماله الفكرية والأدبية، ومنها «عصفور من الشرق»، يبرز الإنسان وهو يعيش صراعًا دائمًا بين ما تفرضه الظروف وما يختاره بعقله وإرادته. فالحكيم لم يكن يرى الإنسان أسيرًا للماضي، بل كان يؤمن بأن التفكير الحر هو بداية التحرر من القيود، وأن أعظم انتصار يحققه الإنسان هو أن يرفض أن يعيش نسخةً مما أراده الآخرون له. أما الكاتبة الكبيرة رضوى عاشور، فقد قدمت في أعمالها الأدبية شخصيات واجهت القهر والخسارة والمنفى، لكنها تمسكت بإنسانيتها ورفضت الاستسلام. وفي ثلاثيتها الشهيرة «غرناطة»، لم تكن البطولة حكرًا على الأقوياء، بل كانت لمن يملك القدرة على الصمود والحفاظ على هويته رغم تبدل الظروف. وكأنها تؤكد أن الإنسان قد يُحرم من أشياء كثيرة، لكنه يظل قادرًا على اختيار موقفه من الحياة، وهذا الاختيار هو الذي يصنع شخصيته الحقيقية. ولعل أخطر ما يمكن أن يفعله الإنسان بنفسه هو أن يجعل من نشأته ذريعة دائمة لكل إخفاق. فمن السهل أن يقول إن أسرته كانت السبب، أو إن المجتمع لم يمنحه الفرصة، أو إن الظروف كانت أقوى منه. لكن الأصعب، وهو الأجمل، أن يعترف بأن الماضي قد أثر فيه، ثم يقرر ألا يسمح له بأن يقوده بقية العمر. فليس المطلوب أن ينسى الإنسان طفولته، بل أن يفهمها، وأن يتجاوز جراحها دون أن ينكرها. لقد شهد التاريخ نماذج لا تُحصى لأشخاص بدأوا حياتهم في بيئات فقيرة أو قاسية، ثم أصبحوا منارات في العلم والفكر والأدب، لأنهم آمنوا بأن البداية ليست النهاية. وفي المقابل، هناك من وُلدوا في بيئات ميسورة، لكنهم أخفقوا لأنهم اعتمدوا على ما ورثوه ولم يبذلوا جهدًا في بناء ذواتهم. وهذا يؤكد أن الفارق الحقيقي بين البشر لا يكمن في ظروف الميلاد، وإنما في القرارات التي يتخذونها بعد أن ينضج وعيهم. إن الطموح ليس مجرد رغبة في النجاح، بل هو موقف من الحياة، وإيمان بأن الإنسان يستطيع أن يكون أفضل مما هو عليه اليوم. أما الوعي، فهو القوة التي تجعل الإنسان يميز بين ما اكتسبه بحكم النشأة، وما اختاره بإرادته الحرة. وعندما يجتمع الوعي بالطموح، تتحول الجراح إلى خبرة، والعثرات إلى دروس، والماضي إلى معلم لا إلى سجن. وفي النهاية، لا يمكن إنكار أثر النشأة، فهي الجذر الأول الذي تمتد منه أغصان الشخصية، لكنها ليست الثمرة الأخيرة. فالإرادة لا تلغي الماضي، لكنها تمنحه معنى جديدًا، والإنسان لا يملك أن يغير بداية حياته، لكنه يملك أن يختار النهاية التي تليق بأحلامه. فمن يربح المعركة… النشأة أم الإرادة؟ ربما تبدأ النشأة الجولة الأولى، لكن الإرادة وحدها هي التي تملك حق حسم النتيجة. فالإنسان لا يُعرف من المكان الذي بدأ منه، بل من الشجاعة التي حملته إلى المكان الذي اختار أن يصل إليه.
-- Advertisement --