- Advertisement -
بقلم الإعلامية الدكتورة رادا الجوهري
السوشيال ميديا في قفص الاتهام!
منذ فترة وأنا مستاءة استياءً بالغًا من السوشيال ميديا، ولديَّ اعتراض لغوي صغير لا أعرف إلى أي مجمع لغوي أتقدم به: لماذا نصرّ على ترجمة
Social Media إلى «وسائل التواصل الاجتماعي»؟
أي تواصل تحديدًا؟ أين هذا التواصل الذي نتحدث عنه، وقد تحولت مساحات واسعة منه إلى ساحات للتناحر، والتراشق، والتشهير، والسب والقذف، وهتك الأعراض، ومحاكمات علنية تبدأ وتنتهي في بضع ساعات، يكون فيها صاحب أعلى نسبة مشاهدة هو القاضي والمحلف وهيئة الدفاع والنيابة… وربما الجلاد أيضًا؟
أقترح — من باب الدقة لا أكثر — أن نعيد النظر في الترجمة.
وسائل “التناحر الاجتماعي» مثلًا، أو «وسائل قطع العلاقات”، أو ربما، إذا أردنا تسمية أكثر مواكبة للعصر:
.Copy-Paste «إمبراطورية الكوبي بيست»
فقدنا المصداقية تقريبًا بنسبة مئة في المئة، حتى صار الشك هو الأصل، والتصديق يحتاج إلى تحقيق جنائي كامل، يتحدث إليك أحدهم فتتساءل: هل يقول الحقيقة، أم يروي النسخة التي يريدني أن أصدقها؟ تقرأ خبرًا فتسأل: هل حدث أصلًا؟ تشاهد مقطعًا مصورًا فلا تنشغل بما رأيت بقدر ما تنشغل بما لم تره: ماذا حدث قبل أن يبدأ التصوير؟ وماذا حُذف بعده؟ ومن قصَّ المقطع؟ ولماذا؟ ولصالح مَن؟ ثم تسمع تسجيلًا صوتيًّا، فتدخل في مرحلة جديدة من الارتياب: هل هذا صوته فعلًا، أم أن الذكاء الاصطناعي قرر اليوم أن يتحدث نيابةً عنه؟
وهكذا، من فرط ما رأينا من تزييف واجتزاء وفبركة، أصبح كل شيء قابلًا للشك، وكل حقيقة تحتاج إلى شاهدَيْن، وخبيرٍ تقنيٍّ، وتحليلِ صوتٍ وصورة… وربما ختم النسر أيضًا!
وباختصار، أصبحنا جميعًا مؤهلين بدرجة امتياز للانضمام إلى مدرسة «نظرية المؤامرة”.
والطريف — أو المفجع — أن التكنولوجيا التي كان من المفترض أن تجعلنا أكثر معرفة، أخشى أنها أصابت بعضنا بشيء من التخلف الرقمي؛ أصبح العالم كله بين أصابعنا، ومع ذلك صار تكرار المعلومة عند البعض دليلًا على صحتها، وكثرة تداولها شهادةً على صدقها، وعدد المشاهدات مرجعًا لا يحتاج إلى توثيق. يكفي أن يقول أحدهم:
، لتنتهي المناقشة! وكأن الحقيقة، في زمن السوشيال ميديا، لم تعد تحتاج إلى مصدر موثوق؛«الخبر منتشر في كل مكان»
يكفيها جمهور كبير.
لا أحد يسأل: مَن قال؟ المهم أن فلانًا نشرها، وفلانا لديه ثلاثة ملايين متابع! وكأن عدد المتابعين أصبح فرعًا جديدًا من فروع علم التوثيق.
ويبقى السؤال: متى أصبح الانتشار أهم من الحقيقة؟
وهنا يبدأ سيل من الأسئلة التي أخشى أنني لو قضيت بقية عمري أكتبها، فلن أصل إلى آخرها. لماذا تحوّل «الترند» إلى غاية تبرر في سبيلها كل الوسائل؟ لماذا أصبح الوصول إليه يستحق أن نتنازل من أجله عن المصداقية والخصوصية والذوق، وأحيانًا عن أبسط قواعد الاحترام؟ ولماذا صرنا نتعامل مع عدد المشاهدات وكأنه شهادة جودة، ومع الانتشار وكأنه دليل على القيمة؟
لماذا أصبح البعض مستعدًا لأن يقول ما لا يُقال، ويتجاوز كل الحدود، ويكشف ما ينبغي أن يظل خلف الأبواب، كل ذلك من أجل رقم صغير أسفل الشاشة يواصل الصعود؟
متى أصبحت الألفاظ النابية بطولة؟
ومتى أصبح السب والقذف دليلًا على قوة الشخصية؟
ومتى تحول التشهير بسمعة الناس إلى «محتوى»؟
بل متى أصبح العِرض مادة للترفيه؟
والأغرب أننا بتنا نكيل بأكثر من مكيال؛ نصدّق الرواية التي تحصد المشاهدات، وإن صرخت تفاصيلها بالكذب، ونشكك في الحقيقة إن لم يكن وراء صاحبها جيش من المتابعين.
لقد أصبح الـView أحيانًا أقوى من الدليل
وأصبح الشعار غير المعلن لهذا العصر: حياتي الخاصة… برعاية الجمهور!
ثم هناك لغز آخر يستحق الدراسة: لماذا قررنا فجأة أن العالم كله يحتاج إلى معرفة أدق تفاصيل حياتنا الشخصية؟ من أحببنا، ومن تركنا، ولماذا تشاجرنا، وماذا قال زوجي، وماذا فعلت زوجتي، وما الذي حدث بيني وبين صديقتي، ومن خان مَن، ومن حظر مَن، ومن أعاد المتابعة بعد أن ألغى المتابعة! كانت للبيوت قديمًا أسرارٌ يحفظها أهلها؛ أما اليوم، فقد أصبح بعضها يُحكى على الـ«لايف» أمام آلاف المتابعين!
وإذا اختلف اثنان، لم يعد الخلاف شأنًا يخصهما وحدهما؛ يبدأ أحدهما بفيديو يروي ما حدث، فيرد الآخر بـ«الحقيقة كاملة»، على حد قوله، ثم يدخل الأصدقاء والأقارب على الخط، وفي ساعات يتحول خلاف عابر إلى قضية رأي عام، وينقسم المتابعون إلى فريقين يدافع كل منهما عن شخص لا يعرفه أصلًا. أما الخصوصية فيبدو أنها خرجت من حياتنا مع أشياء كثيرة أخرى ولم تعد!
وإلى جانب ذلك، تفشّى ما نسميه بالعامية «الصعبانيات»؛ فإذا ظن أحدهم أنه تعرض لظلم، قد لا يبحث عن الحقيقة بقدر ما يبحث عن تعاطف الجمهور، فتتحول القضية من سؤال: من معه الحق؟ إلى مسابقة: «من أبكانا أكثر”؟
وما يدعو إلى شيء من الذهول، وربما إلى كثير من الأسى، ما بات يُعرف بـ«دولة الساحل الشمالي”، حيث يتبارى بعض محدثي النعمة في استعراض الملايين، ويتحول ثمن السيارة، والفيلا، والطاولة، والحفل، وحتى فاتورة العشاء، إلى مادة للتفاخر على الملأ؛ وكأن قيمة الإنسان باتت تُقاس بعدد الأصفار التي يستطيع أن يضعها أمام أعين الآخرين. ولا تكمن القسوة في امتلاك الملايين، بل في استعراضها أمام من لا يملكون قوت يومهم؛ فبينما يتباهى البعض بما ينفقه في ليلة واحدة، يكدح آخرون نهارًا كاملًا من أجل لقمة عيش، وقد يدفع بعضهم حياته ثمنًا لها.
والأشد قسوة أن المرض والموت، وهما أشد أنواع البلاء، لم يسلما منا. يمرض إنسان فنشمت، ويموت آخر فيقرر بعضنا، من تلقاء نفسه، أنه لا تجوز عليه الرحمة! ومن أعطانا مفاتيح الجنة؟ ومن منا يعلم منزلته عند الله؟ والحساب له سبحانه، لا لصاحب حساب على فيسبوك أو تيك توك. لقد بلغ بنا الغرور أحيانًا أننا لم نعد نكتفي بمحاكمة الناس في الدنيا، بل نصدر أحكامنا عليهم في الآخرة أيضًا، وكأن مفاتيح الجنة والنار قد وُضعت بين أيدينا!
ولماذا فقدنا المصداقية؟ ولماذا أصبح الكذب أسرع من الحقيقة؟ ولماذا نفضح بعضنا
-- Advertisement --