- Advertisement -
بقلم دكتور محمد سافوح
الشرق الأوسط لا يمر بأزمة عابرة بل يقف أمام لحظة إعادة تشكيل حقيقية لموازين القوة والنفوذ وقواعد الأمن الإقليمي.
ما يجري في الخليج واليمن والبحر الأحمر لم يعد مجرد صراعات متفرقة بل أصبح اختبارا لمن يملك القدرة على التأثير في شكل النظام الإقليمي القادم. ومع تراجع قدرة الترتيبات الأمنية التقليدية على احتواء الأزمات تتزايد أهمية بناء منظومة أمنية يكون لدول المنطقة دور أساسي في صياغتها. وهذا يتوافق مع الموقف المصري المعلن اليوم بأن أي ترتيبات أمنية تفرض من خارج المنطقة لن تكون مستدامة وأن استقرار المنطقة يرتبط أيضا بمعالجة القضية الفلسطينية.
في هذا المشهد تبرز مصر من موقع يتجاوز فكرة الوساطة أو احتواء الأزمات. فالجغرافيا المصرية تضعها عند نقطة التقاء الخليج والبحر الأحمر وباب المندب وقناة السويس والمتوسط والعمق العربي والأفريقي. ومع تصاعد المخاطر على الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب تصبح هذه الجغرافيا عاملا استراتيجيا في معادلة الأمن الإقليمي والدولي. وقد أكد التنسيق المصري السعودي الأخير أهمية حرية وأمن الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب.
لكن القوة الاستراتيجية لا تصنعها الجغرافيا وحدها.
القيمة الحقيقية لمصر تكمن في قدرتها على تحويل الموقع إلى نفوذ وتحويل النفوذ إلى توازن وتحويل التوازن إلى مسار سياسي قابل للاستمرار.
وهنا يمكن قراءة التحرك المصري باعتباره سعيا للحفاظ على مساحة للحل السياسي ومنع تحول الأزمات إلى صراعات مفتوحة تهدد أمن الدول والممرات البحرية وتعيد رسم موازين المنطقة بصورة يصعب احتواؤها. فالتحرك المصري المعلن خلال الأيام الأخيرة شمل اتصالات وتحركات متعددة لاحتواء التصعيد والتأكيد على أمن الخليج وحرية الملاحة والعودة إلى المسارات الدبلوماسية.
-- Advertisement --
المعادلة القادمة لن تحسمها القوة العسكرية وحدها.
بل ستتحدد بقدرة الدول على بناء توازنات استراتيجية تحفظ مصالحها وتمنع انفلات الصراع وتفتح المجال أمام ترتيبات أمنية أكثر استقرارا.
ومن هنا فإن السؤال الأهم ليس: من يملك القوة الأكبر؟
بل:
من يملك القدرة على صياغة التوازن الذي سيحكم المرحلة القادمة؟
وفي هذه اللحظة تحديدا يصبح الدور المصري أعمق من إدارة الأزمات؛ إنه اختبار لقدرة القاهرة على الانتقال من التأثير في الأحداث إلى المشاركة في تشكيل قواعد النظام الإقليمي الجديد.
فالشرق الأوسط يعاد تشكيله الآن
ومصر ليست خارج عملية إعادة التشكيل
بل تتحرك في واحدة من أكثر نقاطها حساسية وتأثيرا.
دكتور محمد سافوح
باحث فى الشأن السياسى
الاكاديميه العسكريه للدراسات العليا والاستراتيجية
-- Advertisement --