بوابة الجمهورية الاخبارية موقع اخباري شامل يضم كافة الاخبار المحلية والعالمية واخبار الاسعار والحوادث والتقارير الاخبارية

فاروق الجوهري.. رجل من زمن القيمة أبٌ علّم ابنته الإعلام قبل أن تعلّمها المهنة.. فماذا بقي من مدرسة الكبار؟

- Advertisement -

بقلم: د. رادا الجوهري

لا أعرف لماذا اخترت أن أكتب عن أبي الآن، فهو لم يغب عن ذاكرتي يومًا حتى أحتاج إلى مناسبة لاستدعاء سيرته، ولم يكن حضوره في حياتي مجرد ذكرى أعود إليها بين الحين والآخر، بل ظل حاضرًا في تفاصيل كثيرة من شخصيتي، وفي أفكاري ومبادئي واختياراتي.

لكنني، كلما تأملت حال الإعلام اليوم، وما يشهده أحيانًا من شخصنة وتراشق بالألفاظ، وخلط بين الخبر والرأي، وبين الرسالة الإعلامية والاستعراض، وجدت سؤالًا يفرض نفسه بقوة:

أين ذهبت تلك المدرسة التي علمتنا أن الإعلام مسؤولية قبل أن يكون ظهورًا؟

أبي هو الإعلامي الدكتور فاروق الجوهري، أستاذ الإعلام بجامعة أم درمان بالخرطوم، ومدير عام إذاعة وادي النيل سابقًا، والحاصل على وسام العلوم والآداب والفنون الذهبي.

ورغم أهمية هذه الألقاب والمناصب والتكريمات، فإنها لا تستطيع وحدها أن تختصر لي من كان أبي.

فمع مرور السنوات، أدركت أكثر فأكثر حجم ما تركه في داخلي، وكم يسكن أبي في أشياء كثيرة أفعلها وأؤمن بها، دون أن أنتبه أحيانًا إلى أن بدايتها كانت منه.

ترك أبي أثره في قيمي ومبادئي، وفي اختياراتي، وفي تفاصيل صغيرة كنت أظن أنها تخصني وحدي، ثم اكتشفت أنها امتداد طبيعي لما غرسه فيّ منذ طفولتي.

كان أبي بالنسبة إليّ الحب والسند والظهر، وكان أول مدرسة حقيقية دخلتها في حياتي، قبل المدرسة والجامعة والإذاعة.

ومن هذه المدرسة بقي الكثير: طيبة القلب، وحب اللغة العربية، وشغف القانون والتدريس، وإنكار الذات، ومساعدة الآخرين، ومد يد العون لكل من يحتاجها.

وبقي منه أيضًا شيء أصبح نادرًا في زماننا: عزة النفس.

أبٌ يخاف على ابنته حتى من الحسد

ربما لا يدرك معنى فقد الأب إلا من ذاق مرارته؛ فهناك غياب لا تعوّضه الأيام، وفراغ لا يستطيع أحد أن يملأه، وأشياء نظن أن الزمن سيعلمنا الاعتياد عليها، ثم نكتشف أن الإنسان لا يعتاد غياب من كان وجوده جزءًا من معنى الأمان نفسه.

رحيل الأب أو الأم ليس غياب شخص فقط، وإنما غياب عالم كامل كان قائمًا بوجوده.

كان أبي يخاف عليّ خوفًا لم أعرف مثله بعد رحيله.

وأتذكر، مما روته لي أمي وأقاربي فيما بعد، أنه عندما كنت طفلة عُرض عليّ الظهور في إعلان، رفض أبي.

وقد تبدو المفارقة لافتة؛ فالرجل الذي عاش عمره في الإعلام لم يكن متحمسًا لأن تظهر ابنته الصغيرة أمام الكاميرا.

لم يكن رفضه تعنتًا، وإنما كان خوف الأب على ابنته، حتى إنه كان يخشى عليها من الحسد.

كنت أصغر من أن أفهم معنى هذا الخوف وقتها، أما اليوم فأفهمه جيدًا، وأتساءل كثيرًا:

أين يمكن أن أجد مثل هذا الحب مرة أخرى؟

رأيت الإعلام في أبي قبل أن أختاره طريقًا

حتى عندما كبرت، لم يكن أبي متحمسًا كثيرًا لفكرة دخولي مجال الإعلام.

بعد تخرجي في كلية الآداب، قسم اللغة الإنجليزية، كنت شغوفة بالإعلام، وربما بدأ هذا الشغف قبل أن أعرف أنني سأختاره طريقًا.

فأنا لم أرَ الإعلام أولًا في الكتب أو أمام الكاميرات، وإنما رأيته في أبي.

رأيت نجاحه، واحترام الناس له، وسمعت الإشادة به من الصغير قبل الكبير، وربما كنت، من حيث لا أدري، أبحث في الإعلام عن شيء من أبي.

الكرامة عنده لم تكن شعارًا

كان أبي شديد الاعتزاز بكرامته.

وعندما عمل في السعودية، لم يكن يقبل أن يملي عليه أحد ما يخالف قناعته، ولم تكن المناصب أو الألقاب تبهره.

وإذا حاول أحد أن يتعامل معه بمنطق المنصب أو «التمنظر»، كان أبي ببساطة مستعدًا للعودة إلى بلده.

والمفارقة أن الذين عرفوا قيمته كانوا هم من يحاولون إقناعه بالبقاء.

وهنا تعلمت درسًا لم أنسه:

القيمة الحقيقية لا تحتاج إلى من يعلن عنها، لأنها تفرض احترامها بنفسها.

ومن أبي تعلمت أن الكرامة ليست كلمة نرددها عندما تسير الأمور كما نريد، وإنما موقف يظهر عندما يكون ثمنه غاليًا.

-- Advertisement --

اللغة والقانون والتدريس.. دروس بقيت بعد الرحيل

ومن أبي ورثت حب القانون، كما ورثت حب التدريس.

وعندما قادتني رحلتي المهنية إلى تدريس الترجمة، ومنها الترجمة القانونية بين العربية والإنجليزية، عاد أبي إليّ من جديد، وكأن بعض الدروس لا نكتشف قيمتها إلا بعد سنوات.

كان أبي حجة في اللغة العربية، وكنت أتشاور معه في أدق التعبيرات القانونية، فيختصر أحيانًا في كلمتين ما قد يستغرق نقاشه صفحات طويلة.

وحين أفكر اليوم في علاقتي باللغة العربية، وفي حرصي على اختيار الكلمة الدقيقة، وعدم الاكتفاء بأول لفظ يؤدي المعنى أو بمقابل جاهز يقدمه قاموس أو محرك بحث، أسأل نفسي:

هل كان ذلك اختياري وحدي، أم أنه امتداد لشيء غرسه أبي في داخلي منذ الصغر؟

حتى التدريس الذي دخل حياتي لاحقًا، أراه اليوم امتدادًا له بطريقة لم أكن أدركها في البداية.

فالعلم عند أبي لم يكن شيئًا يحتفظ به لنفسه، ولم يكن نجاح الآخرين يمثل تهديدًا له.

كان يساعد، ويقدم، ويفتح الأبواب أمام من يرى فيه الجدارة والاستحقاق.

ومن أجمل ما يؤكد ذلك شهادة الإذاعي إبراهيم خليل، الذي روى أن فاروق الجوهري أخذه بنفسه إلى الإذاعي عبد العال هنيدي، وقدمه إليه قائلًا إنه «جاهز بنسبة 90 في المائة».

قد تبدو الواقعة بسيطة لمن يقرأها، لكنها بالنسبة إليّ تختصر الكثير من شخصية أبي.

رجل يعرف قيمة أن يأخذ بيد شاب في بداية الطريق، بدلًا من أن يغلق الطريق أمامه.

ماذا كان سيقول أبي لو رأى إعلام اليوم؟

وهنا أعود إلى الإعلام من جديد.

لم يكن الإعلام بالنسبة إلى جيل أبي مجرد ظهور أمام الكاميرا أو صوت خلف الميكروفون، ولم تكن الشهرة في حد ذاتها دليلًا على القيمة.

كانت هناك مهنة لها أصولها، وأستاذ يتعلم منه من يأتي بعده، ولغة يجب احترامها، وخبر ينبغي التحقق منه، ومسافة واضحة بين ما يعتقده الإعلامي شخصيًا وما يقدمه للناس.

ولهذا أتساءل أحيانًا:

ماذا كان أبي سيقول لو رأى إعلام اليوم؟

ماذا كان سيقول لو فتح هاتفه، فوجد أن كل شخص يستطيع في لحظة أن يصبح مذيعًا ومحللًا وناقدًا وصاحب رأي في كل شيء؟

وماذا كان سيقول عندما يرى أن عدد المشاهدات قد يتحول أحيانًا إلى معيار للقيمة، وأن الصوت الأعلى قد يطغى على صوت من يعرف أكثر ويفهم أعمق؟

لا أعتقد أنه كان سيرفض التطور؛ فالتطور سنة الحياة، والإعلام نفسه تغير مرات كثيرة وسيظل يتغير.

لكنه، في ظني، كان سيسأل عن المعيار:

ماذا نقول؟
وكيف نقوله؟
وماذا نضيف إلى الناس؟
وهل نبحث عن الحقيقة، أم نبحث عن «الترند»؟

أبي لم يكن مجرد إعلامي.. كان مدرسة

كتبت عن أبي اليوم لا لأقول إن زمنه كان كاملًا، ولا لأرثي زمنًا مضى، وإنما لأنني كلما حاولت أن أفهم ما الذي بقي منه في داخلي، اكتشفت أن بعض الآباء لا يرحلون بالكامل.

يبقون في طريقة الكلام، وفي اختيار الكلمات، وفي احترام الآخرين، وفي الوقوف إلى جوار من يحتاجون المساعدة، وفي القدرة على قول «لا» عندما يصبح التنازل عن الكرامة هو الثمن.

يبقون في المهنة التي أحبوها، وفي المبادئ التي آمنوا بها، وفي كل شاب ساعدوه، وكل طالب علموه، وكل إنسان تركوا في حياته أثرًا طيبًا.

فاروق الجوهري لم يكن بالنسبة إليّ مجرد أب، ولم يكن مجرد إعلامي حمل ألقابًا ومناصب وتكريمات.

كان مدرسة في الأخلاق، والقيمة، والعلم، والكرامة، واحترام الكلمة.

وربما لهذا السبب، كلما رأيت ما يحدث في الإعلام اليوم، لا أبحث فقط عن أبي الإنسان الذي فقدته، وإنما أبحث عن مدرسة كاملة كنت أتمنى ألا تغيب.

فقد علّمني أبي أن الإعلام ليس ميكروفونًا ولا كاميرا، وليس شهرة ولا أرقام مشاهدة.

الإعلام كلمة.. والكلمة أمانة.

وإذا كان أبي قد علّمني الإعلام، فإن السؤال الذي يظل يؤرقني:

فمن علّم هؤلاء؟

-- Advertisement --

Leave A Reply

Your email address will not be published.