- Advertisement -
بقلم الأستاذ مالك السعيد المحامي
قد تنتهي منازعة تجارية أو استثمارية دولية بعد سنوات من الإجراءات بصدور حكم تحكيم يلزم أحد الأطراف بأداء مبالغ مالية أو تعويضات، فيتصور صاحب الحكم أن حصوله على حكم التحكيم يعني أن حقه أصبح في متناول يده.
لكن الحقيقة القانونية أن صدور حكم التحكيم ليس نهاية النزاع من الناحية العملية؛ فالقيمة الحقيقية للحكم تظهر عند القدرة على الاعتراف به وتنفيذه على أموال المحكوم عليه.
وتزداد المسألة دقة عندما يصدر حكم التحكيم في دولة، بينما توجد أموال المحكوم عليه أو مقره أو أصوله في دولة أخرى.
وهنا تبدأ مرحلة مستقلة شديدة الأهمية: الاعتراف بحكم التحكيم الأجنبي وتنفيذه.
اتفاقية نيويورك 1958.. الإطار الدولي لتنفيذ أحكام التحكيم
تُعد اتفاقية نيويورك لعام 1958 بشأن الاعتراف بقرارات التحكيم الأجنبية وتنفيذها من أهم الأسس القانونية التي يقوم عليها نظام التحكيم التجاري الدولي.
والأصل الذي تقرره الاتفاقية هو الاعتراف بحكم التحكيم باعتباره ملزمًا وتنفيذه وفقًا لقواعد الإجراءات المعمول بها في الدولة المطلوب التنفيذ أمام قضائها، مع مراعاة الشروط والضوابط التي حددتها الاتفاقية.
وهنا تظهر قاعدة عملية بالغة الأهمية:
لا يكفي أن يكون حكم التحكيم صحيحًا في دولة صدوره؛ بل يجب دراسة شروط الاعتراف والتنفيذ في الدولة التي توجد فيها أموال المحكوم عليه.
التنفيذ يبدأ من مكان المال لا من مكان صدور الحكم
قبل اتخاذ إجراءات التنفيذ، يجب طرح سؤال أساسي:
أين توجد أموال المحكوم عليه؟
هل يمتلك حسابات مصرفية؟ عقارات؟ أسهمًا أو حصصًا في شركات؟ مستحقات لدى الغير؟ وفي أي دولة توجد هذه الأموال؟
فقد يصدر حكم التحكيم في دولة، بينما تكون الأصول الحقيقية للمدين موجودة في دولة أخرى تمامًا.
ومن ثم فإن التنفيذ الدولي الناجح لا يقوم فقط على دراسة الحكم، وإنما على تحديد خريطة أصول المحكوم عليه واختيار الدولة الأنسب قانونًا وعمليًا لاتخاذ إجراءات التنفيذ.
ما المستندات اللازمة لطلب التنفيذ؟
وضعت المادة الرابعة من اتفاقية نيويورك إطارًا للمستندات المطلوبة عند طلب الاعتراف والتنفيذ، ومن أهمها أصل حكم التحكيم مستوفيًا للتصديق المطلوب أو صورة مصدقة منه، وأصل اتفاق التحكيم أو صورة مصدقة منه.
كما قد يتطلب الأمر ترجمة المستندات إذا كانت محررة بغير اللغة الرسمية للدولة المطلوب التنفيذ فيها، وفقًا للشروط المقررة.
ولهذا فإن مراجعة ملف التحكيم قبل بدء إجراءات التنفيذ ليست مسألة شكلية؛ إذ قد يؤدي نقص المستندات أو عدم استيفائها إلى تعطيل التنفيذ.
هل يجوز لمحكمة التنفيذ إعادة نظر النزاع؟
الأصل أن المحكمة التي تنظر طلب الاعتراف والتنفيذ ليست محكمة استئناف لحكم التحكيم.
فلا يُعاد أمامها النزاع من بدايته لمجرد أن الطرف الخاسر غير راضٍ عن النتيجة، وإنما تنحصر الرقابة في الحدود التي يسمح بها القانون والاتفاقية الواجبة التطبيق.
وهذه من أهم الضمانات التي تمنح حكم التحكيم الدولي فعاليته؛ فمرحلة التنفيذ لا ينبغي أن تتحول إلى تحكيم جديد أمام القضاء الوطني.
متى يجوز رفض تنفيذ حكم التحكيم الأجنبي؟
حددت المادة الخامسة من اتفاقية نيويورك حالات معينة يجوز في نطاقها رفض الاعتراف بالحكم أو تنفيذه.
ومن أبرزها: عدم صحة اتفاق التحكيم، أو عدم أهلية أحد أطرافه وفق القانون الواجب التطبيق، أو عدم إعلان الطرف إعلانًا صحيحًا بتعيين المحكم أو بإجراءات التحكيم، أو عدم تمكينه من عرض دفاعه.
وقد يُثار كذلك أن الحكم تناول نزاعًا لا يدخل في نطاق اتفاق التحكيم أو تجاوز الحدود التي رسمها الأطراف لهيئة التحكيم.
كما قد يرتبط رفض التنفيذ بمخالفة تشكيل هيئة التحكيم أو إجراءاتها لاتفاق الأطراف أو للقانون الواجب التطبيق، أو بعدم صيرورة الحكم ملزمًا للطرفين، أو بإلغائه أو وقف تنفيذه من السلطة المختصة وفق الضوابط القانونية ذات الصلة.
النظام العام.. أحد أهم حدود التنفيذ
يجوز أيضًا رفض الاعتراف والتنفيذ إذا كان موضوع النزاع غير قابل للتحكيم وفق قانون الدولة المطلوب التنفيذ فيها، أو إذا كان الاعتراف بالحكم أو تنفيذه يتعارض مع النظام العام فيها.
ويُعد النظام العام من أدق المسائل التي تُثار في منازعات تنفيذ أحكام التحكيم الأجنبية.
لكن الدفع بالنظام العام لا ينبغي الخلط بينه وبين مجرد الاعتراض على النتيجة التي انتهت إليها هيئة التحكيم؛ إذ إن تقدير هذا الدفع يرتبط بقانون الدولة المطلوب التنفيذ فيها وبالمبادئ الأساسية التي يحميها نظامها القانوني.
ماذا لو أقام المحكوم عليه دعوى لإبطال حكم التحكيم؟
قد يلجأ الطرف الخاسر إلى إقامة دعوى لإبطال حكم التحكيم أو طلب وقف تنفيذه أمام الجهة المختصة في دولة مقر التحكيم.
وهنا تبرز أهمية المادة السادسة من اتفاقية نيويورك، التي عالجت أثر طلب إلغاء الحكم أو وقف تنفيذه، وأجازت للجهة التي تنظر طلب التنفيذ ـ بحسب الظروف ـ تأجيل الفصل فيه، كما أتاحت إمكانية إلزام الطرف الآخر بتقديم ضمان مناسب بناءً على طلب صاحب الحكم.
ومن ثم، فإن مجرد إقامة دعوى بطلان لا يعني بالضرورة سقوط حكم التحكيم أو انتهاء كل إمكانية لتنفيذه دوليًا؛ بل يجب دراسة موقف الحكم والإجراءات القائمة في ضوء الاتفاقية وقانون دولة التنفيذ.
هل يمكن تنفيذ حكم التحكيم في أكثر من دولة؟
قد تكون أموال المحكوم عليه موزعة على أكثر من دولة.
وهنا لا يعود الأمر مجرد دعوى تنفيذ تقليدية، وإنما يصبح استراتيجية تنفيذ دولية تتطلب تحديد أماكن الأصول ودراسة الأنظمة القانونية في الدول المختلفة واختيار المسار الأكثر فاعلية.
فالحكم قد يصدر في دولة، بينما توجد الحسابات المصرفية في دولة ثانية والعقارات أو الاستثمارات في دولة ثالثة.
لذلك فإن السؤال الصحيح ليس فقط:
أين صدر حكم التحكيم؟
بل أيضًا:
أين توجد الأموال التي يمكن التنفيذ عليها؟
لا تنتظر صدور الحكم حتى تفكر في التنفيذ
من الأخطاء العملية في المنازعات الدولية التعامل مع التنفيذ باعتباره مسألة مؤجلة إلى ما بعد انتهاء التحكيم.
ففي القضايا ذات القيمة المالية الكبيرة، قد يكون من الضروري التفكير مبكرًا في أماكن وجود أصول الطرف الآخر وإمكانية الوصول إليها قانونًا إذا صدر الحكم لصالح طالب التحكيم.
فقد يحصل شخص أو شركة على حكم بملايين، لكن تبقى المشكلة في الوصول إلى الأموال.
ولهذا فإن الإدارة القانونية الصحيحة لملف التحكيم لا تتوقف عند سؤال:
كيف نكسب حكم التحكيم؟
وإنما تمتد إلى السؤال الأكثر أهمية من الناحية العملية:
إذا كسبنا الحكم.. أين وكيف سننفذه ونستوفي الحق فعليًا؟
فلذلك اري
إن تنفيذ أحكام التحكيم الأجنبية يمثل مرحلة قانونية مستقلة لا تقل أهمية عن إجراءات التحكيم ذاتها.
فالقيمة الحقيقية لحكم التحكيم لا تقاس فقط بما قضى به، وإنما بمدى القدرة على تحويله من حكم مكتوب إلى حق يتم استيفاؤه فعليًا عن طريق التنفيذ.
ومن هنا تأتي أهمية دراسة اتفاقية نيويورك، وقانون الدولة المطلوب التنفيذ فيها، ومكان وجود أموال المحكوم عليه، والدفوع المحتملة لرفض التنفيذ، قبل اتخاذ الإجراءات.
فكسب حكم التحكيم خطوة مهمة.. أما الوصول إلى المال محل الحكم فهو الهدف النهائي للتنفيذ.
مالك السعيد
المحامي بالنقض والدستورية والإدارية العليا
متخصص في القضايا الدولية والعابرة للحدود وتنفيذ الأحكام الأجنبية وأحكام التحكيم
-- Advertisement --