بوابة الجمهورية الاخبارية موقع اخباري شامل يضم كافة الاخبار المحلية والعالمية واخبار الاسعار والحوادث والتقارير الاخبارية

الرجل الذي رحل… وترك شخصياته بيننا خرجوا من الروايات منذ عقود… وما زلنا نصادفهم كل يوم

- Advertisement -

بقلم الإعلامية الدكتورة رادا الجوهري

-- Advertisement --

من «سي السيد» إلى سعيد مهران وسرحان البحيري… تغيّرت الأزمنة والوجوه، وبقي الإنسان الذي التقط نجيب محفوظ أدق تناقضاته كأنه يكتب لأزمنة لم تأتِ بعد.
من أحمد عبد الجواد «سي السيد” في الثلاثية، بكل ما يحمله من سطوة وتناقض وازدواجية، إلى سعيد مهران في اللص والكلاب، المطارد بين مرارة الخيانة وشهوة الانتقام؛ ومن الجبلاوي وأدهم وجبل في أولاد حارتنا، إلى سرحان البحيري وماريانا في ميرامار، ثم إلى ذلك الموكب البشري المدهش في حديث الصباح والمساء؛ » يزيد المصري، وعطا المراكيبي، ومعاوية القليوبي وغيرهم… أسماء وُلد بعضها بين دفتي الرواية منذ عشرات السنين، لكنها لم تبقَ حبيسة صفحاتها؛ فما زالت ملامحها تطلّ علينا من وجوه نراها كل يوم.
فشخصيات نجيب محفوظ لم تكن مجرد أسماء تنسجها حبكة روائية، ينتهي حضورها بانتهاء الصفحات الأخيرة من الرواية؛ بل ملامح إنسانية التقط فيها ما هو أبقى من الزمان والمكان؛ تلك التناقضات الكامنة في النفس البشرية بين القوة والضعف، والصدق والمراوغة، والطموح والانكسار، والحب والأنانية، والإيمان بالمبدأ والقدرة المدهشة على التراجع عنه حين تصبح المصلحة في الجهة الأخرى.
ولهذا تبدو لنا بعض شخصياته مألوفة على نحو يكاد يثير الدهشة.
ربما لم يعد «سي السيد» يجلس في المكان نفسه أو يرتدي الجلباب ذاته، لكن ازدواجية الإنسان بين الصورة التي يرسمها لنفسه أمام الآخرين وحقيقته حين تغيب العيون لم تختفِ. وربما تغيرت أشكال الخيانة والخذلان والانتقام التي صنعت عالم سعيد مهران، لكن الإنسان الذي يشعر أن العالم خانه ثم يمنح نفسه الحق في محاكمته ما زال موجودًا. وتغيرت المجتمعات واللغة والوسائل، لكن الطموح والخوف والرغبة والغيرة والمصلحة والبحث عن المكانة… لم تصبح آثارًا من زمن قديم.
وهنا أجد نجيب محفوظ الذي أريد أن أكتب عنه في ذكرى رحيله.
لن أعرّج على نجيب محفوظ أديب نوبل، ولا على أنه أول أديب عربي يحصد الجائزة، ولا على صاحب الثلاثية، ولا على روائي الحارة المصرية، ولا على الأديب الذي تجاوزت أعماله صفحات الكتب إلى شاشات السينما والتليفزيون، ثم إلى لغات العالم، ليس لأن هذه الأشياء قليلة الشأن، بل لأنها تنتمي إلى الصورة التي نعرفها جميعًا عن نجيب محفوظ.
أما ما يعنيني هنا، فهو نجيب محفوظ الذي قد لا نتوقف أمامه بالقدر نفسه: قارئ النفس البشرية؛ ذلك الذي استطاع أن يرى وراء الفعل دافعه، ووراء الفضيلة ما قد يعتريها من ضعف، ووراء القسوة خوفًا مستترًا، ووراء اليقين شكًّا قد لا يجرؤ صاحبه على الاعتراف به حتى أمام نفسه.
أريد أن أقترب من عمق الشخصية في أدبه؛ من طريقته في رسم شخصيات تأبى أن تمنحنا حكمًا واحدًا عليها، فنقترب منها حينًا وننفر منها حينًا آخر، ونرى في تناقضاتها شيئًا من تناقضاتنا؛ ومن تلك الأسئلة التي ظل يضع الإنسان في مواجهتها: الزمن والخوف والموت، والسلطة والضمير، والاختيار والندم؛ ومن شخصيات أخرى لم تحظَ بذلك الحضور الذي جعل من «سي السيد» اسمًا يتجاوز صاحبه ليصبح وصفًا لنمطٍ بشري نعرفه جميعًا، مع أنها قد تكون أشد التصاقًا بنا مما نتصور.
وأريد، كذلك، أن أفتح بعض الأبواب التي لا تُفتح كثيرًا حين يُذكر اسمه؛ ؛ فبعيدًا عن محفوظ الحارة و«سي السيد» وأصداء الثلاثية، ثمة محفوظ آخر ربما لا يعرفه الجمهور بالقدر نفسه: محفوظ المنشغل بما يفعله الزمن بالإنسان، وباللحظة التي يلتفت فيها المرء إلى حياته فيكتشف أن بعض ما ظنه قدرًا لم يكن إلا حصيلة اختياراته. محفوظ الذي لم يكن يقف عند سؤال: ماذا حدث لشخصياته؟ بل كان يذهب إلى أبعد من ذلك؛: ماذا حدث لشخصياته؟ بل ماذا فعلت بها الأيام، وإلى أي حدّ كانت اختياراتها شريكةً في صياغة مصائرها؟
فربما كانت أجمل طريقة للاحتفاء بنجيب محفوظ بعد عشرين عامًا على رحيله ألا نكرر ما نعرفه عنه، بل أن نفتش عما لم ننتبه إليه فيه بعد.
ولعل البداية، على نحو يبدو مفارقًا، تكون من أشهر شخصياته: أحمد عبد الجواد، «سي السيد». فنحن نعرف الاسم جيدًا، وربما نستخدمه حتى اليوم وصفًا لنمط من الرجال، لكن بقاءه في الذاكرة الشعبية كل هذه السنوات يستحق أن نتوقف أمامه؛ فما الذي جعل شخصية تنتمي إلى عالم مضى بزمنه وتفاصيله، تظل ملامحها حاضرةً بيننا حتى اليوم؟
كان «سي السيد» يريد أن تكون له الكلمة الأولى والأخيرة في بيته؛ يفرض على أسرته منظومة صارمة من الطاعة والانضباط، بينما يمنح نفسه خارجه مساحة من الحرية لا يسمح لغيره حتى بالاقتراب منها. وكأننا أمام ميزانين للأخلاق في شخص واحد: أحدهما يحاسب به الآخرين، والآخر يلتمس به الأعذار لنفسه.
وهل اختفى «سي السيد» فعلًا؟
ربما اختفت بعض ملامح زمنه، وتغير شكل الأسرة، وخرجت المرأة إلى مساحات أوسع من التعليم والعمل والاستقلال، لكن شيئًا من منطقه ما زال يتسلل إلى بعض العلاقات: رجل يريد زوجة عصرية بشرط ألا تتجاوز الحدود التي رسمها هو للعصرية، ويفخر بنجاح ابنته ثم يقلقه أن يمنحها هذا النجاح استقلالًا في القرار، ويطالب أهل بيته بما قد لا يطالب به نفسه، ويرى في سلطته حقًا طبيعيًا بينما يرى اعتراض الآخرين عليها خروجًا عن المألوف!
وهنا تكمن براعة محفوظ: لم يصنع من أحمد عبد الجواد لافتة مكتوبًا عليها «الرجل المستبد»، بل صنع إنسانًا متناقضًا؛ له حضوره ومحبته وأبوته وضعفه وشهواته ومخاوفه، فنحن لا نقف أمام فكرة مجردة، وإنما أمام شخصية نستطيع أن نختلف معها، وربما نغضب منها، لكننا نستطيع أيضًا أن نفهم دوافعه، ونرى كيف اجتمعت داخله كل هذه المتناقضات.
ثم يأتي سعيد مهران بصورة أخرى تمامًا. رجل يشعر بأنه خُدع وخُذل وسُلب منه ما كان يظنه حقًا له، فيتحول إحساسه بالظلم
شيئًا فشيئًا إلى رغبة في الانتقام. . وهنا يضعنا محفوظ أمام سؤال لا يخص سعيد وحده: ماذا يمكن أن يفعل الإنسان حين يقتنع أن الجميع قد خانوه؟ وأين ينتهي شعوره بأنه ضحية، وتبدأ مسؤوليته عن اختياراته؟
وهكذا لا تبدو شخصيات محفوظ كأ

-- Advertisement --

Leave A Reply

Your email address will not be published.