بوابة الجمهورية الاخبارية موقع اخباري شامل يضم كافة الاخبار المحلية والعالمية واخبار الاسعار والحوادث والتقارير الاخبارية

ملابس النصر وروحه..!

- Advertisement -

بقلم: فكرية أحمد
نحن شعب يعشق الاحتفالات ومظاهرها حتى لو لم يفكر بعضنا بعمق حقيقي في المناسبة التي نحتفل بها، كثيرون يكتفون بالمظاهر الاحتفالية مثل من وجد زفة فسار خلفها وهو لا يعرف شيئاً عن العريس أو العروسة، هذا ما يحدث كل عام في يوم 6 اكتوبر خاصة مع أبناء هذا الجيل، في نفس الموعد، نرتدي الزي العسكري في الصور سواء حقيقة أو باستخدام الذكاء الاصطناعي الذي انتشرالأن، نرفع الأعلام في الشوارع، أوعلى جوانب السيارات، نستدعي أغاني النصر من أرشيف الذاكرة، ونطلق هاشتاجات الوطنية.
زفة كبيرة.. ثم نصمت، نتذكر في الزفة فجأة الأبطال والجنود المنسيين الذين صنعوا المستحيل بدمهم، وعبر النصر فوق أجسادهم وأرواحهم، وبعد أيام ننساهم مرة أخرى، كأن الاحتفال هو أن نتذكر، لا أن نكمل ما بدأوه.
في كل مرة أقول لنفسي ولمن حولي، نحن لا نحتاج ملابس أكتوبرولا زفة احتفالها.. نحن نحتاج روح أكتوبر، روح أكتوبر لم تكن بدلة عسكرية مموهة، كانت قراراً، اكتوبر لم تكن أغنية، كانت عرقاً وعلماً وتخطيطاً وصبراً لست سنوات من الانكسار حتى يوم العبور، ومصر اليوم تحتاج روح أكتوبر، لا قشورها أبداً .
مصر تحتاج روح أكتوبر الإقتصادية والتي كانت هي روح المصنع الذي يعمل 24 ساعة، لا طوابير الاستيراد، روح تعبر بنا من اقتصاد الريع والانتظار إلى اقتصاد الإنتاج والاكتفاء، في حرب 73 حاصرنا العدو، فصنعنا الكباري بأيدينا، اليوم يحاصرنا الدولار والديون، ولا نصنع شيئاً يذكر بأيدينا، فقط نرتدي تي شيرت عليه صورة دبابة وجندي.
نحتاج إلى روح أكتوبر اجتماعياً وإنسانياً، روح كانت تصرخ في وجه العالم وفي كل أرجاء مصر “كلنا جنود”، المسلم والمسيحي في خندق واحد، الفلاح والمهندس يحفرون القناة معاً، لم يسأل أحد عن دين زميله أو عن محافظته التي جاء منها، نحتاج اليوم تلك الروح لنعبر فجوة الكراهية والطبقية والتنمر، نحتاج أن نرى الفقير شريك نصر لا عبء دعم، أن نعود شعباً يربت على كتف بعضه، لا شعباً يتصيد لبعضه الأخطاء على السوشيال ميديا.
ومؤسف ألا يعرف هذا الجيل إلا العناوين العريضة عن
نصر أكتوبر وما سبقه، كتب التاريخ في مناهجنا لم تعد صفحاتها تحفل بتلك الفترة العصيبة ثم العظيمة من تاريخ مصر إلا في سطحية مقيته، لا يعرف هذا الجيل ان شعب مصر كان الجبهة الظهير الأروع للجيش لتحقيق النصر، لايعرف الجيل أن الشعب عاش 6 سنوات منذ عام 67وحتى 73 على التقشف وربط الحزام أو ما يسمى “اقتصاد حرب” حين تم تحويل 70% من ميزانية الدولة للمجهود الحربي، وفرضت الدولة ضرائب تصاعدية على الأغنياء ورجال الأعمال لصالح لمجهود الحربي فشعر المواطن البسيط بالعدالة فصبر، وتحمل أن تصرف له كل السلع الأساسية بالبطاقة، وأن تباع اللحوم فقط مرتين في الأسبوع، لا يعرف الجيل أن الشعب تقبل وقال “لا صوت يعلو فوق صوت المعركة” .
لا يعرف أبناء هذا الجيل أن الشعب قاد بنفسه حملة تبرعات شعبية ضخمة، حملة تبرعت فيها السيدات بالذهب والعرائس بالشبكة، وتبرع الفلاحون بجزء من المحصول من رزقهم وطعام أولادهم، الموظفون تبرعوا بيوم أو شهر من رواتبهم لبناء الجيش من جديد، كما استقبل البنك المركزي تبرعات بالعملة الصعبة من المصريين في الخارج.
لا يعرف هذا الجيل أن أكثر من مليون مواطن من أهالى مدن القناة (السويس، الإسماعيلية، بورسعيد) احتملوا قرارات تهجيرهم من منازلهم لداخل مصر، تركوا بيوتهم ومحلاتهم وارزاقهم طوعاً أو امتثلاً لنداء الواجب والوطن، وعاشوا داخل مدارس ومراكز إيواء في القاهرة والدلتا لسنوات دون تذمر، دون مظاهرة واحدة للغضب رغم قسوة الظروف وشظف العيش .
هذا الجيل لا يعرف أن آلاف الشباب والفتيات تطوعوا في الدفاع المدني والمقاومة الشعبية، والتمريض، والكشافة، تدربوا على إطفاء الحرائق، وإسعاف الجرحى، وحفر الخنادق، فيما قاتل شعب في السويس بالسلاح جنباً إلى جنب مع الجيش في حصار الـ 100 يوم.
جيل هذا اليوم المشغول بمواقع التواصل والترندات واخبار الفنانين والكرة، لا يعرف أن زمن الإعداد للنصر والخروج من الهزيمة والكسر لم يكن به سوشيال ميديا، لكن كانت هناك شائعات العدو تنشر عبر الصحف والمجلات والإذعات، فالتزم الشعب بتعليمات الدولة والجيش “لا ترددوا شائعات” و “أطفئوا الأنوار” أثناء الغارات، وتحمل الشعب انقطاع الكهرباء وتعتيم المدن كاملة لشهور.
لا يعرف أبناء هذ الجيل أن الحكومة والدولة لم تترك الجبهة الداخلية تعاني وحدها في الفراغ انتظارا للنصر كثمن للتقشقف والصبر، بل قامت الحكومة بدور فريد في تشجيع وتحريك الشعب عن طريق الخطاب الصادق لا الكذب ولا التجميل أو التضليل، الرئيس الشهيد السادات والحكومة من خلفه لم يبيعوا الوهم للشعب، بل قالوا “عام الحسم” و”ساعة الصفر قادمة” لكنهم أيضاً قالوا “المعركة ستكون صعبة وثمنها غال”.
فكان الصدق خارطة طريق ليثق الشعب ويحتمل الصعب ، وكان ذكاء السادات في إشراك الشعب في القرار رمزياً
ومعنوياً من خلال إنشاء منظمات الشباب، وقيام الاتحاد الاشتراكي بجمع الناس في مؤتمرات شعبية يتولى فيها ضباط الجيش بشرح خطة إعادة البناء للعمال والفلاحين فأحس الشعب إنه شريك في القرار وليس متفرجاً.
لا يعرف أبناء هذا الجيل أن الإعلام المصري بكل فئاته ، صحافة، إذاعة، تليفزيون في تلك الفترة كان جاداً، واعياً، متحملا لمسئوليته الكبرى في تعبئة الشعب وتوعيته، لم تقدم الإذاعة والتلفزيون أغاني فقط، بل برامج للتعبئة الوطنية مثل “صوت المعركة” وخطب الشيخ الشعراوي والبابا شنودة، وأغاني عبد الحليم “عاش اللي قال”، كما تم تسخير الفن كله لرفع الروح المعنوية.
نحتاج روح مصر التي لم تكن صراخاً على جبهتنا الخارجية ولا تهديداً أو وعيداً، بل كانت دهاءً، حرب خداع استراتيجي وبعد النصر جاءت مفاوضات تحفظ الدم.
و اليوم ونحن على جبهات مفتوحة من كل اتجاه، جبهات تتحدي أمن واستقرار مصر، وتصدر لها المشاكل واحدة تلو الأخر، من الماء إلى الحدود إلى القضية الأم” فلسطين”، دول كل شغلها الشاغل تركيع مصر، تجويعها وتعطيشها، يحتاج كل هذا منا روح وعقل أكتوبر الذي درس عدوه عشر سنوات قبل أن يطلق رصاصة واحدة، ولا نحتاج إلى ما يحدث اليوم من حماسة اللحظة التي تطلق ألف بوست ثم تنطفئ.
الوطنية ليست هوجة في ذكرى أكتوبر وبدلة ” كاكي” نقلد فيها الأبطال، الوطنية أن نتحول نحن أيضا إلى أبطال، أن نعمل بضمير في لنستحق مشاركة الزفة في يوم الاحتفال، أن لا تغش، أن لا تهرب، أن نزرع، أن نصنع، ان نبني ما ينتج، أن نعلم أبناء الجيل أن النصر الحقيقي ليس أن نغني “بسم الله” بل أن نعيش بها.
إخلعوا ملابس النصر سريعاً والبسوا روحه هي وحدها الباقية فهي الأن المطلوبة.

-- Advertisement --

Leave A Reply

Your email address will not be published.