بوابة الجمهورية الاخبارية موقع اخباري شامل يضم كافة الاخبار المحلية والعالمية واخبار الاسعار والحوادث والتقارير الاخبارية

من المتحف المصري الكبير إلى البيت الأبيض.. كيف تتحرك الصين بين الشراكة والمنافسة

- Advertisement -

بقلم: د. سامح المشالي

-- Advertisement --

ما الذي يمكن أن يجمع بين المتحف المصري الكبير والبيت الأبيض؟ قد يبدو السؤال غريبًا للوهلة الأولى؛ فالأول يروي حكاية حضارة تمتد جذورها إلى آلاف السنين، بينما يقف الثاني في قلب واحدة من أهم عواصم القوة في العالم. لكن الرئيس الصيني شي جين بينغ جعل من المكانين محطتين في مسار واحد خلال سبتمبر الجاري، وهو ما يفتح الباب أمام قراءة تتجاوز تفاصيل الزيارتين إلى فهم أوسع لطريقة تحرك الصين في عالم سريع التحول، تبني فيه شراكات جديدة، وتدير في الوقت نفسه منافسة متصاعدة مع القوة الأكبر في النظام الدولي. وعندما نضع الزيارتين جنبًا إلى جنب، تبدو الصورة أكبر من مجرد محطتين في رحلة رئاسية؛ فبين القاهرة وواشنطن تتحرك الصين وهي ترسم لنفسها مكانًا جديدًا في عالم تتعدد فيه مراكز القوة، توسع دوائر شراكاتها من جهة، وتدير منافستها الاستراتيجية من جهة أخرى، وتبحث في الحالتين عن مساحة أوسع لحركتها، من دون أن تجعل صعودها مقدمة لصدام مفتوح مع القوة التي تنافسها على تشكيل النظام الدولي.
ولعل المشهد الأول كان كافيًا لطرح السؤال. رئيس الصين يقف في المتحف المصري الكبير أمام آثار حضارة عمرها آلاف السنين، في بلد كان أول دولة عربية وإفريقية تقيم علاقات دبلوماسية مع جمهورية الصين الشعبية عام 1956. والمشهد ليس مجرد صورة بروتوكولية؛ فالصين نفسها دولة تنظر إلى تاريخها باعتباره جزءًا أساسيًا من هويتها، ولذلك فإن الوقوف أمام الحضارة المصرية يحمل معنى يتجاوز حدود المراسم الرسمية، ويستدعي لغة تعرفها بكين جيدًا: لغة الحضارات والتاريخ والتفاهم بين الشعوب. وتزداد دلالة هذا المشهد في عام تحتفل فيه القاهرة وبكين بمرور سبعين عامًا على إقامة العلاقات الدبلوماسية بينهما، وهي سبعة عقود شهدت تحولات كبرى في العالم، بينما انتقلت العلاقات المصرية الصينية من التعاون السياسي والثقافي إلى شراكة استراتيجية تمتد إلى الاقتصاد والصناعة والطاقة والتكنولوجيا والتعليم وغيرها من المجالات.
لكن لماذا مصر تحديدًا؟ الإجابة لا تكمن في الاقتصاد وحده. فمصر، في الحسابات الصينية، ليست مجرد سوق أو شريك تجاري، وإنما دولة عربية وإفريقية ومتوسطية، تتمتع بموقع استراتيجي فريد عند ملتقى طرق التجارة بين الشرق والغرب، وتطل على البحرين الأحمر والمتوسط، وتضم قناة السويس، أحد أهم الممرات التجارية في العالم، فضلًا عن ثقلها السياسي وقدرتها على التواصل مع قوى إقليمية ودولية متعددة. ولهذا تنظر بكين إلى القاهرة باعتبارها شريكًا يتجاوز أثره حدود العلاقة الثنائية، ونافذة يمكن من خلالها تعزيز حضورها في دوائر أوسع تمتد إلى العالم العربي وإفريقيا والجنوب العالمي.
ولذلك جاءت الزيارة محملة بملفات تتجاوز تأكيد قوة العلاقات السياسية، لتحدد مجالات أوسع للشراكة خلال السنوات المقبلة، شملت توسيع التعاون الصناعي، وتوطين التكنولوجيا، والطاقة الجديدة والمتجددة، والسيارات الكهربائية، والاقتصاد الرقمي، والفضاء، والزراعة الحديثة، إلى جانب زيادة الصادرات المصرية إلى السوق الصينية والعمل على تحقيق قدر أكبر من التوازن في العلاقات التجارية. وتعكس هذه الملفات تحولًا مهمًا في طبيعة العلاقة، التي لم تعد تقتصر على التجارة والاستثمار، وإنما تتجه نحو تعاون أكثر تنوعًا يجمع بين التصنيع والتكنولوجيا والطاقة والاقتصاد الرقمي، بما يمنح الشراكة المصرية الصينية أفقًا يتجاوز المصالح التقليدية.
أما دلالة المتحف المصري الكبير فتتجاوز رمزية المكان نفسه إلى صورة أوسع تريد الصين أن تقدمها عن علاقتها بالعالم؛ فهي لا تسعى إلى الظهور كقوة اقتصادية أو تكنولوجية فحسب، وإنما تحاول أيضًا تقديم نفسها باعتبارها دولة ذات تجربة حضارية تتواصل مع تجارب حضارية أخرى، وتطرح رؤية لعالم يمكن أن تتعايش فيه تجارب وثقافات ومراكز قوة متعددة. وفي الحالة المصرية، تلتقي هذه الرؤية مع موقع القاهرة ودورها الإقليمي، بما يجعل الشراكة بين البلدين جزءًا من حسابات أوسع تتصل بالتجارة والطاقة والأمن والاستقرار في المنطقة.
ثم جاءت واشنطن، وهنا تغير المشهد لكن لم تتغير القصة. فمن المتحف المصري الكبير إلى البيت الأبيض انتقلت الأسئلة من الحضارة والتنمية والشراكة إلى التجارة والرسوم الجمركية والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات والمعادن النادرة وتايوان والأمن الدولي. ففي القاهرة كانت الصين تتحرك مع شريك تبحث معه عن توسيع مجالات التعاون وبناء المصالح المشتركة، أما في واشنطن فكانت تجلس مع القوة التي تنافسها على التكنولوجيا والتجارة والنفوذ والتأثير في النظام الدولي. ومع ذلك، فإن هذه المنافسة لا تعني بالضرورة أن الصدام هو المصير المحتوم؛ فالتشابك الاقتصادي بين البلدين، وارتباط الاقتصاد العالمي بهما، يجعلان الانفصال الكامل أو المواجهة الشاملة خيارًا بالغ التكلفة على الجميع.
لهذا تبدو السياسة الصينية تجاه واشنطن أقرب إلى إدارة المنافسة منها إلى البحث عن مواجهة مفتوحة. فبكين تريد أن تثبت أنها قوة كبرى لا يمكن تجاوزها، وتريد في الوقت نفسه أن توسع نفوذها وحضورها العالمي، لكنها تدرك أن تحقيق ذلك يحتاج إلى قدر من الاستقرار الدولي يسمح لها بالتركيز على التنمية والتكنولوجيا والأسواق والشراكات. ومن هنا تقوم المعادلة الصينية على إبقاء باب التفاوض مفتوحًا، وإدارة الخلافات بدلًا من تركها تنزلق إلى مواجهة شاملة، خصوصًا أن شكل العلاقة بين بكين وواشنطن سيظل أحد العوامل الأكثر تأثيرًا في مستقبل الاقتصاد والنظام الدولي.
وهنا تتضح أهمية الجمع بين الزيارتين؛ ففي القاهرة كانت الصين توسع شبكة علاقاتها وتبني لنفسها مساحات جديدة للحركة، بينما كانت في واشنطن تدير العلاقة مع القوة التي يمكن أن تؤثر بصورة مباشرة في حدود هذه المساحة. فالصين لا تستطيع بناء حضور عالمي واسع من خلال مواجهة الولايات المتحدة وحدها، كما لا تستطيع أن تعتمد فقط على شراكاتها مع دول الجنوب العالمي؛ وإنما تحتاج إلى الجمع بين

-- Advertisement --

Leave A Reply

Your email address will not be published.