بوابة الجمهورية الاخبارية موقع اخباري شامل يضم كافة الاخبار المحلية والعالمية واخبار الاسعار والحوادث والتقارير الاخبارية

د. إيناس خضر تفتح ملف دمج ذوي الهمم: لا تجعلوا الدمج قرارًا بلا خدمات.. والتربية الخاصة والدمج منظومة واحدة

- Advertisement -

بقلم: د. إيناس خضر
مديرة إدارة التربية الخاصة بالغربية – حاصلة على دكتوراه في الدمج التعليمي

في ملف يمس مستقبل أبنائنا من ذوي الهمم، تظل قضية الدمج التعليمي واحدة من القضايا التي تحتاج إلى رؤية متكاملة، لا تكتفي بإصدار القرارات، وإنما تنتقل بها إلى أرض الواقع، وتضمن حصول كل طالب على الخدمة التعليمية والتربوية التي تتناسب مع احتياجاته وقدراته.

ومن واقع خبرة تمتد منذ عام 2008 في مجال الدمج التعليمي، وتولي مسؤولية الدمج بمحافظة الغربية، أؤكد أن الهدف الأساسي الذي كان يحكم عملنا هو تقديم خدمة تربوية وتعليمية حقيقية للطلاب ذوي الإعاقة، ومساندة معلميهم وأسرهم، بما يضمن استفادة كل طفل من وجوده داخل المدرسة بالشكل الأمثل.

«المعلم الجوال».. تجربة صنعت فارقًا

من التجارب التي اعتمدنا عليها في تلك الفترة نظام «المعلم الجوال»، من خلال الاستعانة بمعلمين متخصصين من مدارس التربية الخاصة، يجمعون بين الخبرة الميدانية والتأهيل العلمي والتخصصي.

كنت أحرص على اختيار أصحاب الخبرة والكفاءة والمؤهلات العلمية المناسبة، وتوزيعهم على مدارس التعليم العام التي تضم طلابًا مدمجين من مختلف فئات الإعاقة.

وكان دور هؤلاء المعلمين يتجاوز مجرد المتابعة، حيث كانوا يقدمون الدعم لمعلمي التعليم العام، ويساعدونهم على فهم خصائص الطلاب ذوي الإعاقة، والتعامل مع احتياجاتهم، واختيار أساليب وطرق التدريس التي تتناسب مع كل حالة.

وكان الهدف واضحًا: أن يحصل الطالب على خدمة حقيقية يشعر بها داخل المدرسة، وأن يجد المعلم من يسانده، وأن يشعر ولي الأمر بأن ابنه أو ابنته محل اهتمام ورعاية.

الدمج ليس شعارًا.. والطفل لا ينتظر عامًا كاملًا

من واقع التجربة، أرى أن الدمج لا ينبغي أن يتحول إلى مجرد قرار يصدر في بداية العام الدراسي، ثم امتحان يُعقد في نهايته، بينما يظل الطالب طوال العام دون خدمات حقيقية تتناسب مع احتياجاته.

فالدمج الحقيقي يعني متابعة الطالب، ودعم المعلم، والتواصل مع الأسرة، وتوفير الأدوات والوسائل المناسبة، والاستعانة بالمتخصصين القادرين على التعامل مع الفروق الفردية بين الطلاب.

والأخطر من ذلك أن يتحول الدمج إلى مجرد نصوص وقرارات لا تجد طريقها إلى التطبيق الفعلي داخل المدرسة.

فصل الدمج عن التربية الخاصة.. قرار يحتاج إلى إعادة نظر

ومن خلال ما عايشته على مدار سنوات العمل في هذا المجال، لم تظهر الشكاوى بالصورة التي نراها إلا بعد فصل الدمج عن التربية الخاصة في الوزارة والمديريات التعليمية.

ومن هنا، أرى أن هذا القرار يحتاج إلى إعادة نظر ودراسة متأنية إذا كنا نريد بالفعل تقديم خدمات متكاملة لأبنائنا من ذوي الهمم.

فالدمج والتربية الخاصة ليسا مسارين منفصلين، وإنما يمثلان منظومة تربوية متكاملة، تحتاج إلى التعاون والتنسيق بين المتخصصين والمعلمين والإدارات وأولياء الأمور.

ولا أمانع في وجود إدارة مستقلة للدمج، لكنني أرى أن تكون هذه الإدارة تابعة للتربية الخاصة، بما يضمن استمرار التكامل في الخدمات، والاستفادة من أصحاب الخبرات والمؤهلات العلمية والتخصصية.

المتخصصون.. ثروة يجب الاستفادة منها

-- Advertisement --

لدينا كوادر تمتلك سنوات من الخبرة العملية، إلى جانب المؤهلات العلمية والبعثات والتدريب المتخصص في مجال تربية وتعليم ذوي الإعاقة.

وهؤلاء المتخصصون يمثلون ثروة حقيقية يمكن أن تسهم في تطوير منظومة الدمج، ومساندة معلمي التعليم العام، ومساعدة الأسر على التعامل مع احتياجات أبنائهم.

وإقصاء هذه الخبرات أو عدم الاستفادة منها بالشكل الكافي يعني أننا نحرم الطلاب من إمكانات وخبرات يمكن أن تصنع فارقًا حقيقيًا في حياتهم التعليمية.

الأسرة شريك أساسي في نجاح الدمج

خلال فترة مسؤوليتي عن الدمج في محافظة الغربية، كنت أحرص على متابعة الطلاب داخل مدارسهم، والتواصل المستمر مع أولياء الأمور.

فالأسرة ليست طرفًا هامشيًا في منظومة الدمج، وإنما هي شريك أساسي في نجاح البرنامج التربوي والعلاجي للطفل.

فالعمل داخل المدرسة وحده لا يكفي، وإنما يجب أن تتكامل جهود المدرسة والأسرة والمجتمع المحيط بالطفل، حتى يحصل الطالب على خدمة متكاملة ومستمرة.

شهادة أولياء الأمور.. تقدير لا يُنسى

ومن المواقف التي ما زلت أعتز بها، قيام عدد من أولياء أمور الطلاب بتقديم شهادة تقدير لي خلال احتفالات بطولة رياضية أقيمت بمحافظة الغربية، وإصرارهم على أن يقدمها لي محافظ الغربية آنذاك.

لم تكن قيمة الشهادة في الورقة أو الكلمات المكتوبة عليها، وإنما في المعنى الإنساني الذي حملته.

كانت رسالة من أسر شعرت بأن هناك من يهتم بأبنائها، ويتابعهم، ويبذل جهدًا من أجل حصولهم على حقهم في التعليم والرعاية.

وهذا النوع من التقدير يظل بالنسبة لأي مسؤول أو متخصص في مجال التربية الخاصة أكبر دافع للاستمرار، لأن أسرة الطفل هي الأقدر على معرفة ما إذا كانت الخدمة المقدمة حقيقية أم مجرد إجراء روتيني.

رسالتي.. أعيدوا التكامل إلى منظومة الدمج

إن دعوتي إلى إعادة النظر في فصل الدمج عن التربية الخاصة لا تنطلق من موقف شخصي، وإنما من تجربة ميدانية امتدت لسنوات، ومن إيمان راسخ بأن أبناءنا من ذوي الهمم يستحقون منظومة متكاملة لا تتوقف عند إصدار القرارات.

نحن بحاجة إلى منظومة يعمل فيها المتخصص والمعلم وولي الأمر والإدارة التعليمية جنبًا إلى جنب، ويكون الطالب هو محور الاهتمام الأول والأخير.

فالهدف ليس أن نقول إن لدينا دمجًا تعليميًا، وإنما أن يشعر الطفل فعلًا بأنه يحصل على حقه في التعليم، وأن يجد المعلم الدعم الذي يحتاجه، وأن تطمئن الأسرة إلى أن ابنها أو ابنتها يحظى بالرعاية والمتابعة.

الدمج الحقيقي ليس قرارًا على الورق.. ولا امتحانًا في نهاية العام.. وإنما خدمة مستمرة، تبدأ من احتياجات الطفل، وتصل إليه داخل المدرسة، وتتكامل جهود الجميع من أجل أن يحصل كل طالب على فرصته كاملة في التعلم والمشاركة والنجاح.

وهذه هي الرسالة التي يجب أن تظل حاضرة عند صياغة وتطوير سياسات الدمج التعليمي: أن يكون الطفل أولًا.. وأن تتحول القرارات إلى خدمات حقيقية يعيش أثرها الطالب وأسرته كل يوم.

-- Advertisement --

Leave A Reply

Your email address will not be published.