بوابة الجمهورية الاخبارية موقع اخباري شامل يضم كافة الاخبار المحلية والعالمية واخبار الاسعار والحوادث والتقارير الاخبارية

بين الإعلان والحقيقة… أين يختبئ المستهلك

- Advertisement -

بقلم/ رادا الجوهري 

-- Advertisement --

بين الإعلان والحقيقة… أين يختبئ المستهلك؟
المنتج مجاني… والفاتورة لها رأي آخر!
الابتسامة تبدأ في الإعلان… وتنتهي عند الفاتورة!
ما إن تفتح هاتفك حتى تنهال عليك الإعلانات من كل اتجاه، وكأنها تعرف ما يدور في ذهنك قبل أن تعرفه أنت. ألوان صارخة، وموسيقى حماسية، وعبارات لا تمنحك فرصة للتفكير: “اشترِ واحدة واحصل على الأخرى مجانًا”،
Buy One and Get One Free”لفترة محدودة” ، “أقوى عروض السنة”، “الكمية محدودة. فجأة تشعر أن الفرصة تكاد تفلت من بين يديك، وأن تأخير قرار الشراء قد يحرمك من عرض لن يتكرر. وما هي إلا لحظات حتى تشعر أن عليك اتخاذ قرار الشراء فورًا، وكأن التردد وحده كفيل بأن يفوّت عليك فرصة لا تُعوَّض.
لكن هذه ليست سوى بداية الحكاية. فما بين إعلان يبيع الأحلام، وخصومات لا تنكشف حقيقتها إلا بعد إتمام الشراء، وضمان يُقدَّم لك بوصفه مصدرًا للطمأنينة، ثم تكتشف عند أول مشكلة أنه مليء بالاستثناءات والشروط. وَحِينَئِذٍ يتحول التسوق في كثير من الأحيان من رحلة للبحث عن التوفير… إلى اختبارٍ لقدرة المستهلك على التمييز بين الحقيقة والإعلان.
لكن الحقيقة لا تظهر على شاشة الهاتف. تظهر عندما تبدأ التجربة الفعلية. فإن اشتريت عبر الإنترنت، وصلك أحيانًا منتج لا يشبه الصورة التي أغرتك. وإن ذهبت إلى المتجر، وجدت أن العرض الذي بدا استثنائيًا في الإعلان ليس بالقدر الذي تخيلته، أو أن وراءه شروطًا لم تكن واضحة منذ البداية. وَعِنْدَئِذٍ يتبدد ذلك البريق، وتكتشف أن الإعلان كان أكثر إقناعًا من الواقع، وأن كلمة”مجانًا” لم تكن كما بدت للوهلة الأولى أو كما ظننتها طوقَ النجاة. تتحول بعض الحملات التسويقية من وسيلة لجذب العملاء إلى فخٍّ مُحكمٍ، يقع فيه المستهلك وهو يظن أنه سيوفر، ثم يخرج وقد أنفق أكثر مما خطط له بكثير.
ومن أشهر الألاعيب التسويقية تلك اللافتة التي تعدك: “اشترِ واحدة واحصل على الأخرى مجانًا”. تقرؤها فتظن أنك انتصرت على الأسعار، ثم تكتشف أن الأسعار هي التي انتصرت عليك. فالقطعة الأولى أصبحت أغلى مما كانت عليه، والثانية لم تكن هدية بقدر ما كانت مبررًا لشراء ما لم تكن تنوي شراءه أصلًا. وهكذا تغادر المتجر وأنت تحمل كيسين، ومحفظة أخف، وإحساسًا غريبًا بأن كلمة “مجانًا” كانت أغلى كلمة في العرض كله.
والأمر لا يقف عند حدود المتاجر. فوسائل التواصل الاجتماعي أصبحت مسرحًا يوميًا لعروض براقة، وصور معدلة بعناية، ومقاطع قصيرة تجعل المنتج يبدو وكأنه الحل السحري لكل شيء. لكن ما إن يصل المنتج إلى يد المشتري حتى تبدأ المقارنة بين الصورة والواقع، وغالبًا ما تكون المقارنة منافية للواقع.
ثم تأتي مرحلةٌ أخرى لا تقل أهمية: خدمة ما بعد البيع. ففي أثناء الشراء يبدو كل شيء سهلًا؛ الضمان طويل، والصيانة متوفرة، وخدمة العملاء جاهزة للمساعدة. لكن عند أول عطل تبدأ رحلةٌ مختلفة تمامًا: هذا العيب غير مشمول، وتلك الحالة تُعد سوء استخدام، وذلك الشرط لم تنتبه إليه عند الشراء. وعندها يكتشف العميل أن أسهل جزء في الضمان كان الحديث عنه، لا الاستفادة منه. وهنا تبدأ رحلةٌ أخرى لا تقل إرهاقًا عن الشراء نفسه؛ اتصالاتٌ متكررة، ورسائل، وانتظار، وزيارات، ومحاولات لإثبات حقٍّ ظن أنه ضمنه منذ اللحظة الأولى. ورغم كل هذا لا ينتبه البائع أن كسب ثقة العميل الدائم والمحافظةُ عليها استثمارٌ طويل الأمد، لا يقل أهميةً عن جذب عملاء جدد، بل هو ما يصنع السمعة التي تعود بالزبائن مرةً بعد أخرى. أما ربحُ صفقةٍ عابرة فقد ينتهي عند باب المتجر.
ولعل أكثر الجمل انتشارًا في الأسواق اليوم ليست “أهلًا وسهلًا”، بل: “عندي زيها في البيت”. عبارةٌ تكاد تكون جزءًا من تدريب البائعين، تُقال بالسرعة نفسها، والنبرة نفسها، حتى يخيل إلى المشتري أنها سُجلت مسبقًا. والمفارقة أنها لا تزيده اطمئنانًا، بل تدفعه إلى مزيدٍ من الشك؛ حيث تجعله يتساءل: هل انتهى الحديث عن مواصفات المنتج… وبدأت مسابقة أكثر الجمل تداولًا في الأسواق؟
ولا يتوقف الأمر عند الإعلانات والعروض والضمان، بل يمتد إلى العلاقة اليومية بين التاجر والعميل. فكم من شخص ظل يشتري من متجر واحد سنوات طويلة، ثم عندما طلب خصمًا بسيطًا أو قدرًا من المرونة، وجد الأبواب مغلقة. مع أن ولاءَ عميلٍ واحد وفيّ قد يفتح أبوابًا لا تفتحها عشرات الحملات الإعلانية، بل قد يعود عليه بمكاسبٍ تتجاوز صفقةٌ عابرة مهما بدا ربحها مغريًا.
ولعل ما أحوج أسواقنا اليوم إلى قدرٍ أكبر من الرحمة قبل الربح. فقد أدرك أسلافنا منذ قرون أن المغالاة تُثقِل كاهل الناس، وأن التيسير يجلب البركة. وإذا كان ذلك قد قيل في شؤون الحياة المختلفة، فهو أولى أن يكون حاضرًا في التجارة. فالأمانة ليست مجرد الامتناع عن الغش، بل هي أيضًا ألا يستغل التاجر حاجة الناس، وألا يجعل كل مناسبة فرصةً لمضاعفة الأسعار. فكم من أبٍ أفنى سنواتٍ من عمره يدخر لتجهيز ابنته، حتى صار يطارد قائمةً لا تنتهي من الأثاث والأجهزة والأدوات المنزلية، وكم من شابٍ استنزفته أسعار الشقق حتى كادت تلتهم مدخراته كلها، ثم جاءت بقية متطلبات الزواج لتضاعف العبء. وفي ظل رواتب لا تواكب تكاليف المعيشة، تكمن الرحمة في عدم استغلال حاجة الناس، وضرورة الصدق في البيع، والاعتدال في الربح، ولا سيما في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة. وكل هذه الأشياء ليست مجرد فضائل أخلاقية، بل مسؤوليةً اجتماعيةً تحفظ كرامة الناس، وتبني للتاجر سمعةً طيبةً تبقى أطول من أي ربحٍ سريع.
وليس هذا المعنى بعيدًا عما دعا إليه عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين أنكر المغالاة في المهور، إدراكًا منه أن بناء الأسرة لا ينبغي أن يبدأ بإرهاق الناس وإثقال كواهلهم. ومن هنا لا تنفصل رسالة التاجر عن هذا المعنى؛ فإذا كان التيسير مطلوبًا في المهر، فمن باب أولى أن يرافق كل ما يحتاجه المقبلون على الزواج بعد ذلك. فلا تتحول زيارةُ المتاجر إلى رحلةٍ تستنزف مدخرات السنين، ولا تصبح حاجةُ الناس إلى الأثاث والأجهزة وسائر المستلزمات فرصةً لرفع الأسعار أو تعظيم الأرباح على حسابهم. 

-- Advertisement --

Leave A Reply

Your email address will not be published.