الوعي حين يصبح العقل حارسًا للمستقبل..بقلم نجوي فياض
الوعي حين يصبح العقل حارسًا للمستقبل..بقلم نجوي فياض
- Advertisement -
لا تُقاس قوة المجتمعات بحجم ثرواتها ولا بما تشيده من مبانٍ أو تمتلكه من إمكانات وإنما تُقاس بقدر ما تمتلكه من وعي فالوعي هو البوصلة التي تهدي الإنسان إلى الطريق الصحيح والحصن الذي يحمي العقول من التضليل ويحفظ المجتمعات من الشائعات والتطرف والتعصب وكل نهضة حقيقية لم تبدأ يومًا من وفرة الموارد بل بدأت من عقلٍ يفكر وقلبٍ يؤمن وإنسانٍ يدرك مسؤوليته تجاه نفسه ووطنه وفي عصر تتدفق فيه المعلومات بلا حدود لم تعد المشكلة في ندرة المعرفة بل في القدرة على التمييز بين الحقيقة والزيف وبين الرأي والمعلومة وبين الفكر الرشيد والخطاب المضلل فقد أصبح الإنسان محاطًا بكمٍّ هائل من الرسائل والأفكار لكن القليل منها يثري وعيه بينما يحاول الكثير منها التأثير في قناعاته وتوجيه أفكاره دون أن يشعر ومن هنا أصبح الوعي ضرورة لا غنى عنها وأصبح التفكير النقدي خط الدفاع الأول في مواجهة عالم تتسارع فيه الأحداث وتتداخل فيه الحقائق بالشائعات وقد أدرك الأديب الكبير نجيب محفوظ أن المعرفة هي الطريق الحقيقي لتحرير الإنسان فجعل في أعماله الأدبية شخصيات تعيش صراعًا دائمًا بين الجهل والمعرفة وبين الاستسلام والبحث عن الحقيقة ولم تكن رواياته مجرد حكايات بل كانت مرآة للمجتمع تكشف أن التغيير الحقيقي يبدأ حين يراجع الإنسان أفكاره ويعي ذاته ويدرك واقعه لأن تغيير العقول يسبق دائمًا تغيير الأوطان وفي كتاب ( عودة الوعي ) دعا الأديب الكبير توفيق الحكيم إلى مراجعة الأفكار بعيدًا عن الانفعال والشعارات مؤكدًا أن الوعي الحقيقي لا يولد من التصفيق بل من التفكير ولا ينمو في بيئة التقليد وإنما في مساحة الحوار والنقد والمراجعة فالإنسان الواعي هو الذي يمتلك شجاعة الاعتراف بالخطأ ويبحث عن الحقيقة مهما كانت مخالفة لما اعتاد عليه أما عميد الأدب العربي طه حسين فقد آمن بأن التعليم هو الركيزة الأساسية لبناء الإنسان وجعل في كتابه ( مستقبل الثقافة في مصر ) قضية التعليم محورًا لتقدم المجتمع مؤكدًا أن بناء العقل يسبق بناء المؤسسات وأن الأمم التي تستثمر في عقول أبنائها تمتلك القدرة على تجاوز الأزمات وصناعة مستقبلها، بينما يبقى الجهل أخطر العقبات التي تعطل مسيرة التنمية والحضارة إن الوعي لا يعني أن يمتلك الإنسان إجابة عن كل سؤال وإنما أن يمتلك الشجاعة لطرح السؤال الصحيح وأن يتحرى الحقيقة قبل إصدار الأحكام وأن يحترم حق الآخرين في الاختلاف وأن يدرك أن قوة المجتمعات لا تُقاس بارتفاع الأصوات بل بعمق الأفكار ورقي الحوار وقدرة أبنائها على التفكير بعقلٍ منفتح ومسؤول ولعل أكثر ما تحتاج إليه مجتمعاتنا اليوم هو أن يتحول الوعي إلى ثقافة راسخة وسلوك يومي يبدأ داخل الأسرة وينمو في المدرسة ويتعمق في الجامعة ويترسخ عبر إعلام مسؤول يضع الحقيقة فوق الإثارة والمصلحة العامة فوق أي اعتبار فكل كتاب يُقرأ وكل فكرة تُناقش وكل معلومة صحيحة تُنشر، هي لبنة جديدة في بناء مجتمع أكثر وعيًا وأكثر قدرة على مواجهة تحديات الحاضر وصناعة مستقبل أفضل وفي النهاية يبقى الوعي أعظم استثمار يمكن أن تصنعه أمة في حاضرها ومستقبلها فالثروات قد تنفذ والمباني قد تتغير أما العقل الواعي فيظل الثروة التي لا تفقد قيمتها والسلاح الذي لا يصدأ والنور الذي يهزم ظلام الجهل مهما اشتد وحين يصبح الوعي أسلوب حياة لا مجرد شعار يصبح كل مواطن شريكًا في حماية وطنه وكل عقل مستنير حجرًا جديدًا في بناء مستقبل أكثر أمنًا واستقرارًا وازدهارًا فالأوطان لا يصنعها الأقوياء وحدهم بل يصنعها قبل كل شيء أصحاب العقول الواعية والبصائر المستنيرة
-- Advertisement --