- Advertisement -
بقلم/ مالك السعيد
المحامي بالنقض والدستورية والإدارية العليا
لم يعد الإنسان في العصر الرقمي يترك آثاره في العالم الواقعي فقط، بل أصبح يترك خلفه في كل مرة يستخدم فيها هاتفه المحمول أو حاسبه أو أحد مواقع التواصل الاجتماعي مجموعة من الآثار الإلكترونية التي قد تكشف جانبًا من نشاطه وتحركاته واتصالاته، وهو ما يعرف اصطلاحًا بـ «البصمة الرقمية».
ولكن السؤال الذي يهم رجل القانون والمواطن على السواء هو: هل يمكن أن تتحول هذه البصمة إلى دليل أمام المحكمة؟ وهل تكفي وحدها لإدانة شخص بارتكاب جريمة؟
ما المقصود بالبصمة الرقمية؟
البصمة الرقمية هي مجموعة البيانات والآثار التي تنتج عن استخدام الشخص للإنترنت والأجهزة والأنظمة الإلكترونية.
وقد تشمل – بحسب طبيعة كل واقعة – بيانات الحسابات الإلكترونية، وعناوين الاتصال بالشبكة (IP)، وسجلات الدخول، والبريد الإلكتروني، والرسائل والمحادثات، وبيانات الأجهزة، وغيرها من المعلومات الرقمية التي يمكن أن تساعد جهات التحقيق والخبراء الفنيين في تتبع واقعة معينة.
وهنا يجب التفرقة بين وجود حساب أو جهاز مرتبط بشخص وبين إثبات أن هذا الشخص نفسه هو الذي قام بالفعل محل الاتهام في توقيت محدد؛ فهما مسألتان مختلفتان قانونًا وفنيًا.
«سكرين شوت» لا يعني بالضرورة إدانة
من أكثر الأخطاء شيوعًا الاعتقاد بأن تقديم صورة لمحادثة واتساب أو منشور على أحد مواقع التواصل يعني تلقائيًا ثبوت الواقعة ونسبتها إلى صاحب الرقم أو الحساب.
فالصورة قد تكون بداية للاستدلال، إلا أن المنازعة الجدية في صحتها أو مصدرها أو نسبتها قد تستلزم بحثًا فنيًا أعمق.
وهنا تظهر أهمية فحص الجهاز أو الحساب والبيانات الفنية المرتبطة بالواقعة، والتحقق من سلامة الدليل الإلكتروني وكيفية استخراجه وحفظه وعدم تعرضه للتعديل أو التلاعب.
لمن يعود الحساب؟ ومن كان يستخدمه؟
قد يثبت أن رقم الهاتف مسجل باسم شخص معين، ولكن هل كان هو المستخدم الفعلي له لحظة الواقعة؟
وقد يكون الحساب الإلكتروني منسوبًا إلى شخص، ولكن هل ثبت أنه هو الذي كتب الرسالة أو نشر المحتوى؟
وقد يكون جهاز معين مملوكًا للمتهم، ولكن هل يستبعد ذلك استخدام شخص آخر للجهاز؟
هذه الأسئلة تمثل جوهرًا مهمًا في الكثير من المنازعات المتعلقة بالأدلة الرقمية.
فالقضية ليست مجرد العثور على أثر إلكتروني، وإنما مدى إمكانية نسبة هذا الأثر إلى شخص بعينه بصورة تطمئن إليها المحكمة.
-- Advertisement --
البصمة الرقمية سلاح ذو حدين
كما قد تستخدم البصمة الرقمية في إثبات الاتهام، فإنها قد تكون أيضًا وسيلة قوية للدفاع وإثبات البراءة.
فقد تكشف البيانات الفنية أن الشخص لم يكن مستخدمًا للحساب في التوقيت محل الاتهام، أو أن هناك تناقضًا بين الرواية الواردة بالأوراق والبيانات المستخرجة فنيًا، أو أن الدليل المقدم لا يسمح بالجزم بنسبة الفعل إلى المتهم.
ومن هنا تأتي أهمية ألا ينظر الدفاع إلى الدليل الرقمي باعتباره دائمًا دليل اتهام، بل قد يكون تحليل هذا الدليل ذاته أحد أهم مفاتيح الدفاع.
القانون المصري والدليل الرقمي
اهتم المشرع المصري بالأدلة الإلكترونية، ولا سيما مع صدور قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018 ولائحته التنفيذية، ووضع إطارًا قانونيًا للتعامل مع الأدلة الرقمية وحجيتها وضوابطها الفنية.
إلا أن وجود دليل رقمي لا يلغي القواعد الأساسية للمحاكمة الجنائية؛ فالإدانة يجب أن تقوم على أدلة تطمئن إليها المحكمة، ويظل للمتهم الحق في مناقشة الدليل والطعن في نسبته أو سلامته أو دلالته، وطلب اتخاذ الإجراءات الفنية اللازمة متى كان لذلك مقتضى.
كيف يتعامل المحامي مع الدليل الرقمي؟
لم يعد كافيًا في الكثير من القضايا الحديثة قراءة محضر الشرطة وأقوال الشهود فقط، بل أصبح من الضروري فهم التقارير الفنية وما تحمله من بيانات.
وعند وجود دليل إلكتروني يجب طرح مجموعة من الأسئلة:
من أين جاء الدليل؟ وكيف تم الحصول عليه؟ وهل نُسب الحساب أو الجهاز إلى المتهم فنيًا؟ وهل ثبت أن المتهم هو المستخدم الفعلي وقت الواقعة؟ وهل تعرض الدليل لأي تعديل؟ وهل تتفق البيانات الفنية مع باقي أدلة الدعوى؟
وقد تكون الإجابة عن سؤال واحد من هذه الأسئلة كفيلة بتغيير مسار القضية بأكملها.
لذلك
البصمة الرقمية أصبحت واحدة من أهم أدوات الإثبات في العصر الحديث، ولكنها ليست كلمة سحرية تعني الإدانة بمجرد ذكرها في محضر أو تقرير.
فالقيمة الحقيقية للدليل الرقمي تكمن في سلامة استخراجه، وصحة نسبته، ومدى دلالته على الواقعة والشخص المنسوب إليه الفعل.
ومع التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي وتقنيات التزييف وانتحال الحسابات والهويات، ستصبح مسألة التحقق الفني من الأدلة الرقمية أكثر أهمية في السنوات المقبلة.
فالقاعدة التي يجب ألا تغيب عن الأذهان هي:
التكنولوجيا قد تكشف الأثر… لكن القانون هو الذي يحدد قيمة هذا الأثر في الإثبات.
-- Advertisement --