بوابة الجمهورية الاخبارية موقع اخباري شامل يضم كافة الاخبار المحلية والعالمية واخبار الاسعار والحوادث والتقارير الاخبارية

نجوي فياض تكتب …التربية بصمة تبقى وإن مضت الأيام

نجوي فياض تكتب ...التربية بصمة تبقى وإن مضت الأيام

- Advertisement -

لا يُولد الإنسان وهو يحمل أخلاقه ولا التمييز بين الخير والشر منذ اللحظة الأولى أو بين الحق والباطل بل يولد صفحة بيضاء تتولى التربية كتابةا أولى الكلمات وترسم أولى الملامح وتغرس أولى القيم ولهذا لم تكن التربية يومًا مجرد مرحلة عمرية تنتهي مع الطفولة بل هي رحلة طويلة تُشكّل شخصية الإنسان وترافقه في كل قرار يتخذه وكل موقف يمر به وكل أثر يتركه في حياة الآخرين قد ينجح الإنسان في دراسته ويتفوق في عمله، ويحقق مكانة اجتماعية مرموقة لكن نجاحه الحقيقي يبقى مرهونًا بما يحمله من أخلاق ومبادئ فالعلم يمنح الإنسان المعرفة أما التربية فتعلمه كيف يستخدم هذه المعرفة والمال يمنحه القدرة أما القيم فتعلمه كيف يوظفها فيما ينفع الناس ولهذا كانت التربية هي الأساس الذي تُبنى عليه شخصية الإنسان قبل أن تُبنى عليه إنجازاته ويقول عبد الكريم بكار في كتابه حول التربية والتعليم : حين نمعن النظر نجد أن جميع الأمم تعمل في تربية صغارها وكبارها حول ثلاثة محاور أساسية : النفس البشرية وإرثها التاريخي والاجتماعي وما تراه ضروريًا لمستقبلها ويكشف هذا الطرح أن التربية ليست شأنًا أسريًا فحسب بل مشروع حضاري تتحدد من خلاله هوية الأمم فما تغرسه المجتمعات في نفوس أبنائها اليوم تحصده غدًا في أخلاقهم وإبداعهم وقدرتهم على بناء أوطانهم ومن هذا المنطلق قدّم عبد الوهاب المسيري في مشروعه الفكري رؤية تؤكد أن الإنسان لا يُختزل في المعرفة أو الإنجاز المادي وإنما تتحدد قيمته بما يحمله من منظومة أخلاقية وإنسانية فحين تغيب القيم يفقد العلم رسالته وتتحول القوة إلى وسيلة للهدم بدلًا من البناء ولهذا فإن التربية ليست مجرد تعليم بل هي بناء للضمير وصناعة للوعي وحماية للإنسان من الانجراف خلف كل ما يفرغه من إنسانيته أما دكتور مصطفى محمود فقد دافع في كثير من كتاباته عن فكرة أن العلم لا يكتمل إلا بالأخلاق وأن المعرفة إذا انفصلت عن الضمير فقدت قيمتها الحقيقية ومن هنا ندرك أن أعظم ما تقدمه التربية للإنسان ليس كثرة المعلومات وإنما القدرة على التمييز بين ما يستطيع فعله وما ينبغي أن يفعله ولعل ما نراه اليوم من مظاهر العنف والأنانية وتراجع المسؤولية الاجتماعية يؤكد أن كثيرًا من الأزمات لا يرجع إلى نقص الإمكانات بل إلى ضعف التربية فالقيم لا تُشترى ولا تُكتسب في يوم واحد وإنما تُغرس بهدوء داخل الأسرة وتتعزز في المدرسة ويؤكدها المجتمع حتى تصبح جزءًا من شخصية الإنسان إن الطفل لا يتذكر كل نصيحة سمعها لكنه لا ينسى القدوة التي عاش معها ولا يحفظ كل الكلمات التي قيلت له لكنه يحمل معه دائمًا أثر المعاملة التي تربى عليها ولهذا فإن المربي الحقيقي لا يربي أبناءه بالكلام وحده بل بما يراه الأبناء منه من صدق ورحمة واحترام وعدل وفي النهاية قد يورث الإنسان أبناءه مالًا فينفد أو عقارًا يزول أو منصبًا ينتقل إلى غيره لكنه إذا أورثهم تربية صالحة فقد منحهم كنزًا لا تسرقه الأيام فالتربية ليست مجرد مسؤولية أسرية بل هي رسالة تصنع الإنسان والإنسان هو الذي يصنع المجتمع والمجتمع هو الذي يصنع مستقبل الأوطان لذلك إذا أردنا أن نبني مستقبلًا أكثر استقرارًا وأكثر وعيًا وأكثر إنسانية فعلينا أن نبدأ من الجذور من البيت ومن القدوة ومن الكلمة الطيبة لأن التربية ستظل دائمًا… بصمة تبقى وإن مضت الأيام

-- Advertisement --

Leave A Reply

Your email address will not be published.