بوابة الجمهورية الاخبارية موقع اخباري شامل يضم كافة الاخبار المحلية والعالمية واخبار الاسعار والحوادث والتقارير الاخبارية

كتبت نجوى فياض..حين يصبح الوطن عقيدةً للقلب… لا عنوانًا للهوية..

كتبت نجوى فياض..حين يصبح الوطن عقيدةً للقلب... لا عنوانًا للهوية..

- Advertisement -

ليس الوطن قطعةً من الأرض تحدها الجغرافيا ولا اسمًا يُكتب في وثيقة الميلاد أو جواز السفر بل هو أول الحكايات التي تسكن القلب وآخر ما يغادر الذاكرة هو المكان الذي تتشكل فيه الملامح وتولد فيه اللغة وتكبر الأحلام، وتُصاغ الهوية لذلك لم يكن حب الوطن يومًا شعارًا يُرفع في المناسبات وإنما كان عهدًا يقطعه الإنسان على نفسه أن يبقى وفيًّا للأرض التي منحته اسمه وللتاريخ الذي منحه جذوره وللمستقبل الذي ينتظر منه أن يكون أهلًا لحمل الأمانة إن الأمم العظيمة لا تُبنى بالحجارة وحدها بل تُبنى بالإنسان الذي يؤمن بوطنه ويجعل من انتمائه قيمةً يعيشها في كل تفاصيل حياته فحب الوطن لا يظهر حين تعلو الهتافات وإنما يظهر حين يُتقن العامل عمله ويحافظ المعلم على رسالته ويصون الكاتب كلمته ويؤدي كل إنسان واجبه بإخلاص فالوطن لا يحتاج إلى من يتغنى باسمه بقدر حاجته إلى من يصنع مجده ولم يكن الأدب العربي بعيدًا عن هذا المعنى فقد أدرك الأدباء أن الوطن ليس مكانًا نسكنه، بل كيانًا يسكننا وأن الغربة الحقيقية ليست غياب الإنسان عن أرضه وإنما غياب الانتماء عن قلبه لذلك ظل الوطن حاضرًا في الشعر والنثر والرواية بوصفه رمزًا للكرامة والهوية والذاكرة وإذا ذُكر الوطن حضرت مصر بوصفها نموذجًا فريدًا فهي ليست مجرد بقعة على الخريطة بل حضارةٌ استطاعت أن تهزم الزمن وأن تبقى شاهدةً على قدرة الإنسان على صناعة المجد إنها وطنٌ تعاقبت عليه الأمم وتبدلت فوق أرضه العصور لكنه ظل محتفظًا بروحه لأن سر بقائه لم يكن في حجارته وإنما في أبنائه الذين حملوا اسمه جيلاً بعد جيل وقد لخّص أمير الشعراء أحمد شوقي هذا المعنى في بيته الخالد : (وطني لو شُغِلتُ بالخلدِ عنه نازعتني إليه في الخلدِ نفسي) لم يكن شوقي يتحدث عن حنين عابر بل عن حقيقة إنسانية تؤكد أن الوطن لا ينافسه نعيم ولا تعوضه مسافات وأن القلب يظل متعلقًا به مهما ابتعد الجسد ففي هذا البيت يتحول الوطن من مكان إلى قدر ومن حدود جغرافية إلى رابطة روحية لا تنفصم أما حافظ إبراهيم فقد جعل من مصر بطلةً تنطق بلسانها في قصيدته الخالدة (مصر تتحدث عن نفسها) ليؤكد أن هذا الوطن لم يكن يومًا تابعًا للتاريخ بل كان أحد صُنّاعه فجاء شعره دعوةً إلى الاعتزاز بالهوية وتذكيرًا بأن الأمم التي تعرف قيمة ماضيها هي الأقدر على صناعة مستقبلها لقد أدرك حافظ إبراهيم أن حب الوطن لا يكتمل إلا حين يقترن بالوعي وأن الفخر الحقيقي لا يكون بما أنجزه الآباء فقط، بل بما يضيفه الأبناء إلى ذلك المجد وفي السياق نفسه قدّمت الدكتورة عائشة عبد الرحمن (بنت الشاطئ) رؤيةً تنطلق من أن الأوطان تُصان بصيانة ثقافتها ولغتها ووجدانها فالهوية ليست زينةً ثقافية وإنما هي الحصن الذي يحمي الأمم من الذوبان وكانت ترى أن الأمة التي تفرّط في لغتها وتراثها إنما تفرّط في جزء من وجودها لأن الوطن لا يعيش بالجغرافيا وحدها بل يعيش بما يحمله أبناؤه من وعي بقيمه وتاريخه ورسالته ومن هنا يصبح حب الوطن مسؤولية قبل أن يكون عاطفة وسلوكًا قبل أن يكون خطابًا فليس الانتماء أن نرفع اسم الوطن في كلماتنا ثم نهمله في أفعالنا وإنما أن نحافظ على ممتلكاته ونحترم نظامه ونخلص في أعمالنا ونجعل من نجاحنا الشخصي إضافةً إلى نجاحه فكل يد تبني وكل عقل يبدع وكل ضمير يرفض الفساد إنما يكتب سطرًا جديدًا في قصة الوطن ولعل أجمل ما يميز مصر أنها لم تكن يومًا وطنًا لأبنائها فقط بل كانت وطنًا يسكن وجدان كل من عرف قيمتها الحضارية فهي الأرض التي احتضنت الحضارات وأنجبت العلماء والمفكرين والمبدعين وظلت عبر التاريخ منارةً للعلم والثقافة والفن ولذلك كان حبها عند الأدباء حبًا للحضارة بقدر ما هو حب للأرض وحبًا للإنسان بقدر ما هو حب للمكان إن الوطن لا يطلب من أبنائه المستحيل وإنما يطلب منهم الصدق يطلب أن يحافظوا على ما ورثوه وأن يضيفوا إليه وأن يتركوا للأجيال القادمة وطنًا أكثر قوةً ووعيًا وجمالًا فالأوطان لا تنهض بالأمنيات بل بالإرادة ولا يحميها الكلام بل يحميها الإنسان الذي يدرك أن كل خطوة صادقة يخطوها في طريق البناء هي صورة من صور الوفاء لوطنه ويبقى الوطن هو الحب الوحيد الذي لا ينقصه العطاء بل يزداد به فكلما منحناه من جهدنا منحنا من عزته وكلما حفظناه في قلوبنا حفظ أسماءنا في تاريخه وحين يصبح الوطن عقيدةً للقلب لا يعود مجرد عنوانٍ في بطاقة الهوية بل يصبح نبضًا يجري في العروق ورسالةً يحملها الإنسان ما دام حيًّا وإيمانًا راسخًا بأن أعظم ما يتركه المرء بعد رحيله ليس ما امتلكه بل ما قدّمه لوطنه

-- Advertisement --

Leave A Reply

Your email address will not be published.