- Advertisement -
بقلم د. رادا الجوهري
حين يعتذر فنان بحجم علي الحجار عن المشاركة في مهرجان الموسيقى العربية للمرة الأولى منذ انطلاقه، ثم يلحق به الفنان محمد ثروت بالاعتذار، فإن الأمر يتجاوز مجرد تعديل في جدول الحفلات أو خلاف عابر يمكن أن ينتهي ببيان مقتضب.
نحن أمام سؤال أكبر: ماذا يحدث في مهرجان يفترض أنه أحد أهم حصون الموسيقى العربية في مصر؟ وهل تحوّل الفن الذي احتضنته دار الأوبرا لعقود إلى مجرد حسابات مالية وإيرادات؟
فمهرجان الموسيقى العربية ليس فعالية فنية وليدة الأمس. جذوره تمتد إلى مؤتمر الموسيقى العربية الذي استضافته القاهرة عام 1932، ومن هذا الإرث اكتسبت مصر مكانة ثقافية وفنية جعلتها قبلة للموسيقيين والمطربين العرب.
ولهذا فإن غياب أسماء بحجم علي الحجار ومحمد ثروت لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره مجرد غياب فنانين عن دورة من دورات المهرجان، بل باعتباره مناسبة لإعادة طرح أسئلة جوهرية حول طريقة إدارة المهرجان، وتقدير الفنان المصري، وتجربة الجمهور، ومستقبل هذا الحدث الثقافي.
علي الحجار.. فنان لا يحتاج إلى شهادة من أحد
عندما نتحدث عن علي الحجار، فنحن أمام مسيرة فنية ممتدة منذ عقود، ارتبط خلالها اسمه بالأغنية المصرية ذات القيمة، وبأعمال وطنية وإنسانية وعاطفية رسخت في وجدان الجمهور.
والأكثر دلالة أن الحجار يقدم من داخل دار الأوبرا مشروع «100 سنة غنا»، الذي يستهدف إعادة تقديم تراث الغناء المصري للأجيال الجديدة.
فكيف يتحول الخلاف حول المقابل المالي أو إمكانات الفرقة الموسيقية إلى سبب يحرم جمهور المهرجان من فنان يمثل جزءًا من ذاكرة الغناء المصري؟
ومحمد ثروت.. اسم آخر من ذاكرة الأغنية المصرية
أما محمد ثروت، فهو أحد الأصوات التي ارتبطت في وجدان المصريين بالأغنية الوطنية والعاطفية وبالالتزام الفني، ويمتلك تاريخًا طويلًا من الحضور أمام الجمهور.
وعندما يعلن فنان بهذه القيمة اعتذاره عن المشاركة، فإن الرسالة تستحق الاستماع إليها ومناقشتها بهدوء، بعيدًا عن لغة البيانات المتبادلة أو اختزال القضية في أرقام وميزانيات.
الجمهور ليس مجرد رقم في شباك التذاكر
الجمهور أيضًا له حق في هذه المعادلة.
فهو يدفع ثمن التذكرة، ويبذل وقتًا وجهدًا للحصول عليها، ويتحمل تكاليف الانتقال والانتظار ومواقف السيارات، ويأتي إلى دار الأوبرا لأنه يبحث عن تجربة فنية حقيقية.
ولذلك فإن تطوير منظومة الحجز الإلكتروني أمر إيجابي من حيث المبدأ، لكن التطوير الحقيقي يجب أن يجعل التجربة أكثر سهولة ووضوحًا وعدالة، لا أن يتحول الحصول على التذكرة إلى سباق في دقائق معدودة.
كما أن انتقال بعض الحفلات إلى المساحات المفتوحة قد يتيح استيعاب أعداد أكبر، لكن ذلك يطرح سؤالًا آخر: هل الهدف هو زيادة أعداد الحضور فقط، أم الحفاظ على خصوصية وقيمة تجربة مهرجان الموسيقى العربية؟
من حق الجمهور أن يسأل عن حدود «البيزنس»
حين تتزايد تكلفة التجربة على الجمهور من التذكرة إلى الخدمات والانتظار ومواقف السيارات، يصبح من الطبيعي أن يطرح المواطن سؤالًا مشروعًا:
أين تنتهي متطلبات الإدارة والتنظيم، وأين تبدأ الحسابات التجارية؟
السؤال هنا ليس اتهامًا، وإنما دعوة إلى مزيد من الشفافية، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بحدث يحمل اسم مصر وتاريخ مؤسسة ثقافية عريقة.
وفي هذا السياق، جاءت تصريحات المايسترو هاني فرحات، الرئيس السابق للمهرجان، التي تحدث فيها عن أهمية الرعاية والتسويق، وأشار إلى أن المهرجان استطاع في دورات سابقة جذب رعاة واستضافة نجوم عرب، مؤكدًا أن مهرجان الموسيقى العربية أكبر من أي شخص وأي دورة.
وهذه الرسالة تحديدًا تستحق التوقف أمامها.
مهرجان باسم مصر.. ومسؤولية أكبر من الحسابات
مصر لا تبحث عن تاريخها الفني؛ مصر تملك تاريخًا صنعته أجيال من الفنانين والمبدعين.
وعلى مسارحها وقف كبار المطربين العرب، ومن القاهرة انطلقت أصوات وألحان وصلت إلى مختلف أنحاء العالم العربي.
لذلك فإن الحفاظ على مكانة مهرجان الموسيقى العربية ليس مسؤولية فنان أو إدارة دورة بعينها، وإنما مسؤولية ثقافية تتعلق بصورة مصر الفنية ودورها التاريخي في المنطقة.
والسؤال الأهم الآن ليس: من المخطئ؟
بل:
هل تستطيع إدارة المهرجان أن تعيد فتح باب الحوار مع كبار الفنانين، وأن تضع الجمهور وقيمة الفن المصري في قلب المعادلة؟
فالمهرجان الذي صنعته أسماء كبيرة لا ينبغي أن يخسر هذه الأسماء بسهولة، والجمهور الذي ظل وفيًا له لعقود يستحق أن يعرف كيف تُدار أمواله، وكيف تُحدد أسعار التذاكر، وكيف تُختار أماكن الحفلات، وما الذي يُبذل للحفاظ على مستوى يليق باسم مهرجان الموسيقى العربية.
وفي النهاية، تبقى الحقيقة الأوضح:
دار الأوبرا ليست مجرد مسرح، ومهرجان الموسيقى العربية ليس مجرد حفلات، والفن المصري ليس سلعة تُقاس قيمتها فقط بحجم الإيرادات.
إنه جزء من ذاكرة وطن.. ومن حق هذه الذاكرة أن تُصان، ومن حق الجمهور أن يُسمع صوته.
-- Advertisement --