- Advertisement -
بقلم رادا الجوهري
من زاويةٍ واحدة… تضيع الحكاية!
تخيَّل أن تقطع آلاف الكيلومترات إلى مكانٍ حلمت بزيارته سنواتٍ طويلة. وما إن تصل إليه، حتى يصبح همُّك كيف تبدو في أعين الناس، لا كيف تعيش اللحظة. وتواصل البحث عمَّن يراقبك، ومن أعجبه وصولك، ومن لم يصفق، ومن بدا على وجهه شيءٌ من الدهشة أو اللامبالاة. وبينما تنشغل بكل ذلك، تمضي اللحظة التي جئت من أجلها، ويغيب عنك المشهد الذي استحق كل هذا العناء. حينها لا يكون أصعب ما في الرحلة ما قطعته من طريق، بل ما أضعته من متعة الوصول.
ولعل هذا ما يفعله كثيرون في حياتهم؛ فكأن الحياة غدت مسرحًا، امتلأت مقاعده بالمتفرجين، وكلٌّ منهم لا ينقطع عن المراقبة وإصدار الأحكام، بينما يقف صاحب الرحلة على الخشبة منشغلًا بردود الأفعال أكثر من انشغاله بأداء دوره.
لم يعد بعضنا يعيش حياته كما هي، بل كما ستبدو بعد نشرها على فيسبوك. يلتقط الصورة، ويراجع التعليقات، ويترقب كلمات الإعجاب، ويستنزف وقته في الرد على المنتقدين، ثم يكتشف أن الرحلة انتهت، وأن كل ما كان يطارده في ذلك العالم الافتراضي لم يكن سوى سراب.
ولعل أكثر ما يرهق الإنسان أنه يحاول إرضاء جمهورٍ لم يشترِ تذكرة رحلته أصلًا. يركض وراء تصفيقٍ لا يدوم، ويطارد رضا أناسٍ يختلفون في كل شيء، ولن يجتمعوا يومًا على رأي واحد. لذلك قال الأقدمون: ” من راقب الناس مات همًّا”، فما دام الإنسان يربط سعادته بأحكام الآخرين، فلن يعرف إلى الطمأنينة طريقًا، لأن إرضاءَ الناسِ غايةٌ لا تُدرَك.
-- Advertisement --
ويبقى السؤال: مَنْ مَنَحَ الجُمهورَ حقَّ إصدارِ الأحكام؟ أم نحنُ الذين منحناه هذا الحقَّ حين جعلنا رضانا عن أنفسنا مرهونًا برضاه، وسعادتَنا معلقةً بتصفيقه، وحزنَنا أسيرَ استهجانه.
والحياة ليست محطةً واحدة، بل رحلةٌ طويلة؛ فيها بداياتٌ متعثرة، ومنعطفات، ومحطاتُ انتظار، وتأخُّر، وعثرات، ثم لحظاتُ وصولٍ تستحق أن نمنحها حقَّها من الفرح. لكن المؤسف أن بعضنا يقضي هذه الرحلة وهو يلتفت إلى المدرجات أكثر مما ينظر إلى الطريق أمامه. ينتظر أن يصفق الجميع، وأن يفرح الجميع، وأن يعترف الجميع بما حققه، وكأن هؤلاء هم أسرته، أو أصدقاؤه المقربون، أو أولئك القلائل الذين شاركوه التعب.
والأعجب أن كثيرًا ممن يراقبون رحلات الآخرين ليسوا محرومين ولا معدمين. قد تجد أحدهم يملك بيتًا، ووظيفةً مستقرة، وراتبًا يكفيه، وربما منصبًا يحلم به غيره، ومع ذلك لا يهنأ بما بين يديه، لأن عينيه معلقتان دائمًا بما في أيدي الناس. لا يسأل: كيف أطور حياتي؟ بل يسأل: لماذا نجح فلان؟ وكيف اشترى؟ ومن أين سافر؟ وكم ربح؟ وكأن متعته الحقيقية ليست فيما يملك، بل في تفتيش حياة الآخرين، بحثًا عمّا ينغص عليهم صفوها أو يقلل من فرحتهم.
وهنا يقع الخطأ الأكبر؛ حين نمنح هؤلاء أكبر من حجمهم، ونسمح لضجيجهم أن يفسد علينا رحلةً لن يعيشوها، وأحلامًا لم يسهروا من أجلها، ولحظات وصول لم يدفعوا ثمنها. فلكل رحلةٍ صاحبُها الحقيقي، وهو وحده الذي يعرف عدد العثرات التي تجاوزها، والمرات التي كاد فيها يتراجع، والليالي التي أرهقه فيها الانتظار، والثمن الذي دفعه ليصل إلى هذه اللحظة.
وإذا التفتَّ يومًا لترى من يفرح لك، فلا تُرهق نفسك بالنظر إلى المدرجات المزدحمة، بل انظر إلى من ساروا إلى جوارك طوال الطريق. انظر إلى من شهدوا ليالي التعب، وتقلبات الإحباط، ولحظات الشك، وانتظروا معك الفرج قبل أن يأتي النجاح. هؤلاء وحدهم يعرفون ثمن الرحلة، ولذلك يفرحون حقًّا عندما تصل إلى محطتها الأخيرة.
أما الجمهور، فهو لا يرى إلا لحظة الوصول، ولا يعرف عدد المرات التي كدت فيها تتوقف، ولا الليالي التي سهرت فيها، ولا الدموع التي أخفيتها، ولا التضحيات التي دفعتها. لذلك قد يصفق، وقد ينتقد، وقد يمر مرورًا عابرًا، لكن فرحه لن يشبه فرحة أمٍّ دعت لك، أو أبٍ حمل همَّك، أو زوجةٍ أو زوجٍ شاركك القلق، أو صديقٍ صدوق رأى فيك ما عجزتَ عن رؤيته في نفسك.
فالرحلة لم تُخلق ليصفق لها الجمهور، بل ليعيشها صاحبها. وليس من المنطقي أن يكتب كاتب عشرات الصفحات، ثم يختزل سعادته كلها في تعليقٍ سلبي على فيسبوك. ولا أن يقضي طبيب سنواتٍ بين الدراسة والسهر، ثم يجعل قيمة رسالته مرهونة بعدد كلمات المديح، بينما قد تكون أعظم مكافأةٍ له دعوةً صادقة خرجت من قلب مريضٍ ردَّ الله إليه عافيته. ولا أن يقف معلِّمٌ مخلصٌ أمام طلابه أعوامًا يغرس فيهم العلم والقيم، ثم يظن أن رسالته ضاعت لأن أحدًا لم يصفق له، بينما ثمرة جهده تؤتي أُكُلها في حياة أجيالٍ لم تنسَ فضله. ولا أن يسهر طالبٌ الليالي، ويجهد نفسه حتى يبلغ غايته، ثم يسمح لتعليقٍ عابر أن ينتزع منه فرحة سنواتٍ من الكفاح. ولا أن يقف قاضٍ أو محامٍ إلى جانب مظلومٍ حتى يسترد حقه، ثم يجعل قيمة ما فعل رهينةً بحكم جمهورٍ لم يعش تفاصيل القضية.
فالمتعة الحقيقية ليست في التصفيق، بل في أثر ما تصنع، وفي شعورك بأنك أضفت إلى هذا العالم خيرًا كان سيغيب لولا وجودك، أو رفعت ظلمًا، أو علمت علمًا، أو منحت أملًا، أو تركت بصمةً تبقى بعد رحيلك. وعندما يكتشف الإنسان هذه الحقيقة، يتغير كل شيء. يدرك أن أجمل ما في الرحلة ليس ضجيج الجمهور، بل إحساسه الداخلي بأنه يسير في الطريق الذي اختاره عن اقتناع، وأن كل محطة، مهما كانت شاقة، تركت فيه أثرًا، أو ترك هو فيها أثرًا.
وحينها، إذا التفت حوله، فلن يبحث عن آلاف الوجوه التي مرت مرورًا عابرًا، بل عن تلك الوجوه القليلة التي شاركته الطريق. أولئك الذين عرفوا تعبه قبل نجاحه، وساندوه قبل أن يعرفه الناس، وانتظروا معه الفرج قبل أن يأتي الفرج، وكأنهم شاركوه كل خطوةٍ حتى بلغ غايته، وفرحوا حتى بدا وكأنه ثمرةُ رحلتهم معه، لا رحلته وحده، ولا لأنه أصبح حديث الآخرين.
هؤلاء ليسوا جمهورًا… بل رفقاءُ رحلة. لم يحبُّوك لأنك نجحت، بل فرحوا بنجاحك لأنهم أحبوك. وهم الكنز الحقيقي الذي يبقى عندما يخفت التصفيق، ويُغلق فيسبوك، ويغادر المتفرجون مقاعدهم. فاحرص أن تكون رحلتك عامرةً بالأثر… لا بالمتفرجين، لأنه في ا
-- Advertisement --