- Advertisement -
كتبت: الاعلامية دكتورة رادا الجوهرى
في زمن اختلطت فيه المعايير، حتى كدنا ننسى كيف يكون الجميل، لم يختفِ الجمال، لكنه أصبح محاصرًا بضجيجٍ أعلى صوتًا، وبمشاهد تتكرر حتى يحاول البعض إقناعنا بأن الرديء هو الطبيعي، وأن السطحية هي القاعدة.
لكن الوجه الآخر للصورة لا يزال حاضرًا؛ فليس كل من عاش وسط الضجيج أصبح جزءًا منه، وليس كل من واجه الأمواج العاتية اختار أن يسايرها. هناك من ظل واقفًا في مكانه، لا عنادًا ولا عجزًا عن التطور، وإنما إيمانًا بأن هناك أشياء يمكن أن تتغير، وأخرى لا يجوز أن تتبدل، وفي مقدمتها القيمة والمبدأ واحترام الفن وعقل المتلقي.
ومن هنا يأتي اسم علي الحجار.
فنان لم يسمح للزمن أن يغيّر بوصلته
تقول د. رادا الجوهري، صاحبة المقال، إنها واظبت طويلًا على حضور حفلات علي الحجار، وإن حالت ظروف خارجة عن إرادتها دون الحضور في الفترة الأخيرة، مؤكدة أن الغياب عن مقعد في حفل لا يعني أبدًا غياب الإيمان بقيمة الفنان أو المكانة التي يحتلها في قلوب محبيه.
فبعض الأشياء تتحول مع مرور الوقت إلى ثوابت، وعلي الحجار، بالنسبة لمحبيه، واحد من هذه الثوابت التي لا تهزها موجة عابرة ولا يغيّرها ترند مؤقت.
ولا يحتاج الحجار إلى شهادة جديدة في صوته أو تجربته؛ فمسيرته الفنية الطويلة وما قدمه مع كبار الشعراء والملحنين تكفي لتضعه في مكانة خاصة داخل ذاكرة الغناء المصري.
لقد ارتبط اسمه بكلمات كبار الشعراء، وفي مقدمتهم عبدالرحمن الأبنودي وسيد حجاب وصلاح جاهين، كما تعاون مع أسماء بارزة في عالم التلحين والموسيقى، ليصنع لنفسه تجربة فنية لم تكن رهينة مرحلة أو موجة، وإنما امتدت عبر أجيال.
عندما يصبح المبدأ أصعب من التنازل
القيمة الحقيقية لأي فنان لا تظهر عندما تكون الظروف في صالحه، وإنما عندما يصبح التخلي عن مبادئه أسهل وأكثر ربحًا.
كان بإمكان علي الحجار أن ينظر إلى الساحة الفنية وما تحققه بعض الأغنيات السطحية من ملايين المشاهدات، ثم يقول: «السوق عايز كده».
وكان يستطيع أن يطارد الترند، أو يقدم تنازلات فنية، أو يبحث عن جملة تنتشر لأيام على مواقع التواصل ثم تختفي سريعًا.
لكنه اختار الطريق الأصعب.
لم يسمح للترند أن يقوده، ولم يصبح أسيرًا لتقلبات الذوق العام، لأنه يدرك أن الوصول إلى الناس شيء، وملاحقة أذواقهم المتغيرة شيء آخر، وأن التجديد الحقيقي لا يعني أن يتخلى الفنان عن هويته كلما تغيرت الموضة.
وهنا تكمن قيمة تجربة علي الحجار.
«100 سنة غنا».. التجديد دون هدم الماضي
ويأتي مشروع «100 سنة غنا» مثالًا واضحًا على هذه الرؤية؛ إذ يقوم على إعادة تقديم جانب من كنوز التراث الموسيقي بروح وتوزيعات معاصرة، في محاولة لفتح جسر بين الأجيال الجديدة وذاكرة موسيقية مصرية ثرية.
فالتجديد، في هذه الرؤية، لا يعني هدم الماضي، وإنما اكتشاف قيمته وإعادة تقديمه بصورة قادرة على الوصول إلى جمهور اليوم، دون أن يفقد العمل روحه وأصالته.
وهذه واحدة من أصعب المعادلات التي يمكن أن يواجهها الفنان: أن يرتدي ثوب العصر دون أن يفقد هويته.
موهبة الشباب.. حين تتحول الخبرة إلى رسالة
-- Advertisement --
ولا تتوقف تجربة الحجار عند الحفاظ على هويته الفنية، وإنما تمتد إلى إتاحة الفرصة أمام الأصوات والمواهب الشابة في الغناء والعزف والشعر.
وهنا تظهر قيمة أخرى في شخصية الفنان الحقيقي؛ فالموهوب الواثق من مكانته لا يخشى ظهور موهبة جديدة بجواره، بل يمنحها المساحة التي تستحقها.
وفي المقابل، تحمل هذه التجربة رسالة إلى بعض الشباب الذين أصبح هاجس الشهرة لديهم يسبق الموهبة.
ليس كل من امتلك هاتفًا وحسابًا على مواقع التواصل مؤهلًا لأن يصبح مطربًا، وليس كل من استطاع أن يجذب الانتباه قادرًا على الاستمرار.
فالظهور قد تمنحه الصدفة، أما البقاء فلا تمنحه إلا الموهبة.
صوت يتحول إلى أوركسترا
ومن أكثر ما يلفت الانتباه في تجربة علي الحجار قدرته على الوقوف أمام الجمهور، معتمدًا على صوته وحده، وكأن صوته أوركسترا كاملة.
وفي أداء أغنية «هنا القاهرة»، كلمات سيد حجاب وألحان عمار الشريعي، يظهر هذا الأمر بوضوح؛ فعندما تغيب الآلات، يبقى الصوت قادرًا على ملء المساحة وإبقاء المستمع في حالة إنصات كامل.
والمقارنة هنا ليست مسابقة بين الأصوات، وإنما محاولة لفهم تلك الحالة الاستثنائية التي يمتلكها فنان يستطيع أن يواجه الجمهور بصوته وحده دون أن يشعر المستمع بأن شيئًا ينقص التجربة.
حوار مع فنان.. أم قراءة في تاريخ الفن؟
ومن خلال الحوارات التي أجرتها د. رادا الجوهري مع علي الحجار، بدا أن اللقاء معه لا يشبه حوارًا تقليديًا مع مطرب يتحدث عن عمل جديد.
فحين تجلس أمام تجربة بهذا الثراء، فإنك تفتح صفحات من تاريخ طويل، لكل مرحلة فيه حكاية وبصمة وذكريات.
وتزداد متعة الحوار بما يمتلكه الحجار من ثقافة وخفة ظل قد لا تظهر بسهولة لمن يراه من بعيد شديد الجدية؛ إذ سرعان ما يظهر جانب آخر من شخصيته عندما تفرض اللحظة ابتسامة أو دعابة.
لماذا علي الحجار الآن؟
ربما لأننا في حاجة، وسط هذا الكم الهائل من الضجيج، إلى أن نتذكر أن القدوة ليست خطبة، وأن المبدأ ليس جملة جميلة نكتبها ثم نفعل عكسها.
القدوة يمكن أن تكون فنانًا اختار أن يحترم موهبته، ويحترم جمهوره، ويحترم تاريخ الفن الذي ينتمي إليه.
يمكن أن تكون في شخص لم يرفض التطور، لكنه رفض أن يفقد نفسه من أجل مواكبة موجة عابرة.
يمكن أن تكون في صوت ظل محتفظًا بقيمته بينما تغيرت الأصوات من حوله.
وهنا تحديدًا يظل علي الحجار نموذجًا للجمال والثبات؛ فالجمال ربما يتراجع أحيانًا أمام الضجيج، لكنه لا يموت.
يمضي الزمن.. وتتغير الوجوه.. وتتبدل الموضات.. وتسقط ترندات، لكن القيمة الحقيقية تبقى.
وعندما يهدأ الضجيج، يظل الفن الأصيل قادرًا على أن يتحدث بصوت أكثر قوة من كل الصخب.
فالجمال لم يرفع الراية البيضاء.. وما زال هناك من يحمله.
-- Advertisement --