بوابة الجمهورية الاخبارية موقع اخباري شامل يضم كافة الاخبار المحلية والعالمية واخبار الاسعار والحوادث والتقارير الاخبارية

حتى الصبر يحتاج إلى صبر!

- Advertisement -

بقلم د هند أحمد يوسف السيد

حين نكتشف في ابتلائنا ما لم تخبرنا به
ما أسهل الحديث عن الصبر حين يكون الوجع بعيدًا عن قلوبنا، وما أثقل كلماته حين يصبح امتحانًا شخصيًّا لا نملك أن نعتذر عن خوضه، ولا أن نختار موعدًا لانتهائه!

كم واسينا من مكلوم، وربّتْنا على أكتاف المنهكين، وقلنا بثقة الواثقين: اصبروا واحتسبوا، فإن مع العسر يسرًا، وإن بعد الضيق فرجًا، وإن الله لا يضيع أجر المحسنين. كنا نقول ذلك بصدق، ونؤمن بمعانيه إيمانًا لا تشوبه شائبة، ولكننا لم نكن نعرف أن بعض المعاني، مهما استقرت في العقول، لا تنكشف أعماقها إلا حين تمر بها القلوب.

ثم يأتي الابتلاء، فيغيّر مواضع الكلمات في حياتنا؛ فما كان بالأمس نصيحةً نقدمها للآخرين، يصبح اليوم وصيةً نرددها على أنفسنا، وما كنا نظنه أمرًا يسيرًا حين نراه في حياة غيرنا، نكتشف أنه قد يكون من أثقل ما تحمله الروح حين يصير قدرًا مكتوبًا عليها.

وهنا ندرك أن بين معرفة الصبر وممارسته مسافةً لا تقطعها البلاغة، ولا تختصرها المواعظ، وإنما تقطعها أيامٌ من المجاهدة، وليالٍ من الدعاء، ولحظاتٌ يواجه فيها الإنسان نفسه، ويحاول أن يستجمع شتات قلبه، ليواصل الطريق الذي لم يختره، ولكنه مطالب بأن يحسن السير فيه.

ليس العيب أن نتعب من الصبر، وإنما الوهم أن نظن الصبر لا يتعبنا!

فالإنسان، مهما أوتي من الإيمان والحكمة، تظل له طاقة بشرية محدودة، وقلب يتألم، وروح قد تضيق بما لا تستطيع تغييره. وليس من الإنصاف أن نطالبه بأن يكون صلبًا في كل لحظة، أو أن نتصور أن صدق إيمانه يُعفيه من الوجع، أو أن دموعه دليل على ضعف يقينه.

إن الصبر ليس أن يتحول الإنسان إلى حجر لا يشعر، ولا أن يبتلع ألمه حتى يفقد القدرة على التعبير عنه؛ بل أن يظل، وسط اضطراب مشاعره، متمسكًا بما يؤمن به، وألا يسمح للوجع أن يقطع صلته بربه، أو أن يسلبه حسن الظن برحمته.

وقد يكون الصبر في بعض المواقف أيسر مما نتصور، ثم تأتي مواقف أخرى فتستنزف من أرواحنا ما لم نكن نعلم أننا نبذله. فليس كل ابتلاء كغيره، وليس كل قلب يحمل الأوجاع بالطريقة نفسها، وليس من عاش تجربةً يستطيع أن يقيس بها تجارب الآخرين.

ولذلك، فإن من أدب المواساة ألّا نستخف بأوجاع الناس، وألّا نجعل الصبر كلمةً نلقيها في وجوههم ثم نمضي، وكأننا أدّينا ما علينا. فربما كان المبتلى يعرف من معاني الصبر أكثر مما نعرف، ولكنه يحتاج إلى من يخفف عنه وطأة الطريق، لا إلى من يشرح له كيف يسير فيه.

إن بعض القلوب لا ينقصها الإيمان، وإنما ينقصها أن تجد كتفًا تستريح إليه، وأذنًا تنصت دون محاكمة، وكلمةً حانيةً لا تُشعرها بالخجل من ضعفها الإنساني. فليس كل من اشتكى ساخطًا، وليس كل من بكى معترضًا، وليس كل من أرهقه الانتظار فاقدًا لليقين.

-- Advertisement --

ولعلنا حين نُبتلى نتعلم درسًا لم تكن المواعظ وحدها كافيةً لتعليمنا إياه: أن الرحمة بالناس تقتضي أن نعرف أن لكل إنسان معركته الخفية، وأن ما يبدو لنا هينًا قد يكون عند غيرنا جبلًا من الهموم، وأن الكلمة التي نلقيها في دقائق قد يحتاج صاحبها إلى شهور حتى يستطيع أن يعيش معناها.

وهكذا يعيد الابتلاء تشكيل نظرتنا إلى الآخرين؛ فنتواضع في أحكامنا، ونرفق في نصائحنا، ونتعلم أن نترك مساحةً للدمعة بجوار الدعاء، وللشكوى بجوار الاحتساب، وللضعف الإنساني بجوار قوة الإيمان.

فما أيسر الصبر على الناصح، وما أشقّه على من صار البلاء نصيبه!

وليس في ذلك اتهامٌ للناصح بالنفاق، ولا انتقاصٌ من المبتلى، وإنما هو اعترافٌ بأن الإنسان قد يعرف الطريق ولا يعرف ثقل خطواته حتى يسلكه، وقد يصف الدواء بإخلاص، ثم يكتشف حين يحتاج إليه أنه مرّ المذاق.

ومن هنا، فإننا لا نحتاج إلى أن نتوقف عن نصح بعضنا بالصبر، وإنما نحتاج إلى أن نتعلم كيف نقولها بقلوب أكثر رحمة، وأن نفهم أن الاحتساب لا يلغي الألم، وأن الرضا لا يمنع الحزن، وأن اليقين لا يعني أن الطريق لن يرهقنا.

نحتاج إلى أن نقول للمبتلى: اصبر، ونحن نمد إليه أيدينا؛ واحتسب، ونحن نخفف عنه ما استطعنا؛ وأحسن الظن بربك، ونحن نذكّره بأن رحمة الله أوسع من مخاوفه، وأن عجزه عن رؤية نهاية الطريق لا يعني أن الطريق بلا نهاية.

أما نحن، حين تضيق بنا الحياة، فلا ينبغي أن نخجل من حاجتنا إلى الصبر، ولا أن نستبطئ أنفسنا لأننا لم نبلغ الرضا في اللحظة التي تمنيناها. فبعض المعارك لا نخرج منها منتصرين في يوم واحد، وبعض الأحمال لا تخف وطأتها بمجرد أن نعرف أجر احتمالها.

إننا نتعلم الصبر بالتدريج؛ نتعثر ونستعيد توازننا، تضعف نفوسنا فنستمد القوة من الدعاء، وتضيق صدورنا فنلوذ بربنا، حتى يصبح الاحتساب سكينةً تنمو في أعماقنا، لا شعارًا نرفعه على ألسنتنا.

وفي نهاية المطاف، قد لا نستطيع أن نختار ما تنزل به الأقدار، لكننا نستطيع أن نسأل الله العون على حملها، وأن نرجوه ألّا يتركنا لضعفنا، وأن يرزقنا من اليقين ما يعيننا على الأيام التي لا نفهم حكمتها، ومن الرحمة ما يجعلنا أرفق بقلوب الآخرين.

ولعل أجمل ما نتعلمه من الابتلاء ألّا نغتر بما نظن أننا نملكه من قوة، وألّا نستهين بما يعانيه غيرنا من ضعف، وأن ندرك أن الصبر ليس منزلةً نبلغها ثم نستريح، وإنما هو مجاهدةٌ تتجدد كلما تجددت أوجاع الحياة.

فسبحان من جعل الصبر بابًا إلى الأجر، وجعلنا كلما ظننا أننا أحسنا معرفته، اكتشفنا أننا ما زلنا نتعلم كيف نصبر.

اللهم ارزقنا قلوبًا لا يقودها الجزع إلى اليأس، ونفوسًا لا يحملها الألم على سوء الظن بك، وصبرًا نستعين به على ما لا نستطيع تغييره، ويقينًا يضيء لنا عتمة الطريق، وفرجًا يأتي من حيث لا نحتسب

-- Advertisement --

Leave A Reply

Your email address will not be published.