- Advertisement -
بقلم د. رادا الجوهري
كان للخطأ، إلى وقتٍ ليس ببعيد، شيءٌ من الحياء. نرتكبه، نعم، ونبحث له عن عذر، وربما نخفيه أو نكذب هربًا من الاعتراف به، لكننا كنا نعرف ـ في قرارة أنفسنا ـ أنه خطأ. كان هناك خطٌّ فاصل، مهما تجاوزناه، نعرف على الأقل أننا تجاوزناه.
أما اليوم، فلم يعد الخطر في أن نخطئ؛ فالخطأ جزء من الطبيعة البشرية. الخطر الحقيقي يكمن في أننا صرنا نجمّل القبيح حتى يبدو مقبولًا، ونشكك في الصواب حتى يبدو غريبًا، حتى انقلبت الموازين. ويبدو أن الخطأ غيَّر اسمه، وارتدى ثوبًا أكثر أناقة، ثم وقف في مكان الصواب يطالبنا بالتصفيق له؛ فصار المرفوض مألوفًا، والمألوف موضع استغراب، ومن يتمسك بما كان يومًا بديهيًا هو المطالب بالدفاع عن نفسه: لماذا تعترض؟ لماذا تستنكر؟ لماذا لا تتقبل؟
وهكذا، لم تعد القضية أن الصح أصبح غلطًا، بل إن المعيار نفسه اختل؛ حتى صرنا في زمنٍ يحتاج فيه الصواب إلى مرافعة، بينما يمشي الخطأ مرفوع الرأس بلا دفاع ولا اعتذار.
ولأن كلمة «المعيار» نفسها أصبحت كلمةً ثقيلة في زمن «كل واحد حر»، فربما ينبغي أن أوضح أولًا ما لا أقصده. لن أبدأ بالملابس، رغم إيماني بأن لكل مقام مقالًا؛ فمن يذهب إلى السوبر ماركت ليس كمن يذهب إلى حفل زفاف، والحرية الشخصية لا تلغي الذوق ولا ملاءمة المكان. ولن أتوقف طويلًا أمام من يعشق الساحل أو من لا يزال قلبه معلقًا بالإسكندرية، ولا أمام من يركب سيارة عادية أو أخرى فوق الفاخرة. تلك اختيارات وأذواق، وأنا أصلًا ضد تصنيف البشر على أساسها. فتلك اختلافات في الذوق والقدرة والاختيار، لا في قيمة أصحابها.
ما يعنيني هو اللحظة التي انتقل فيها الأمر من اختلاف الأذواق إلى اختلال القيم.
متى أصبح احترام الكبير شيئًا يثير الاستغراب؟ ومتى أصبحت صلة الرحم «دقّة قديمة»؟ ومتى أصبح الابن الذي يراعي أباه وأمه أقل تحررًا من ذلك الذي يتبجح في وجهيهما؟ ومتى تحولت المسؤولية إلى عبء نحاول التخلص منه، مع أننا نريد حقوقنا كاملة غير منقوصة؟
حتى الطالب الذي يأخذ مصروفه من والديه لم تقف الحكاية عند حدِّ «هاتوا الفلوس وخلاص». هناك أب وأم ربما يقتطعان من احتياجاتهما، ويعيدان ترتيب حياتهما، وينفقان مواردهما المحدودة، بل ويتحملان من الأعباء ما يفوق أحيانًا إمكاناتهما المادية، حتى يحظى ابنهما أو ابنتهما بفرصة أفضل في التعليم والحياة. أليست المسؤولية هنا أن يدرك هذا الابن أن وراء كل جنيه يصل إلى يده تعبًا لم يره؟ الحقوق ليست طبقًا نختار منه ما نشتهي ونترك الواجبات على المائدة.
وهنا بيت القصيد: فالمشكلة ليست فيما تملك، بل في أن يتحول ما تملكه إلى مقياس لقيمتك وقيمة الآخرين. امتلك ما شئت إن كانت إمكاناتك تسمح بذلك. ولكن المشكلة تكمن في أن يتحول الامتلاك من نعمة تستمتع بها إلى مقياس تقيس به قيمة البشر، وأن يصبح الإفراط هو الطبيعي، والبساطة شيئًا نخجل منه.
والأمر لا يتوقف عند المظاهر. فحين يختل المعيار، يبدأ قاموس كامل في تغيير معانيه.
التبجح في وجه الوالدين يصبح «شخصية قوية”
والتهرب من المسؤولية يصبح «أنا حر”
وأكل ميراث الأخوات يصبح «خلافًا عائليًا”
والاستيلاء على حق اليتيم يصبح «شطارة”.
وخيانة الأمانة قد تجد لها ألف تبرير.
والسرقة، إن ارتداها صاحبها في بدلة أنيقة وأتقن الكلام، قد نُطلِق عليهااسمًا جديدًا، أكثر وجاهةً وأناقة.
لم تتغير معاني الكلمات، إلا ربما في ذلك القاموس الخاص الذي صنعناه لأنفسنا؛ قاموس نعيد فيه تسمية الأشياء حتى يسهل علينا التعايش معها.
والأخطر أن الاعتياد يفعل في الضمير ما لا تفعله الصدمة. فالشيء القبيح حين نراه للمرة الأولى يستفزنا، وفي المرة العاشرة يزعجنا، وفي المرة المائة قد نمر أمامه بلا اكتراث. وهنا تبدأ الكارثة الحقيقية: ليس حين يوجد القبح، وإنما حين نفقد القدرة على استنكاره.
ثم جاءت السوشيال ميديا، ومنحت اختلال المعيار سلاحًا لم يكن يحلم به: الترند.
طالما أن الجملة ستجلب تعليقًا، والصورة ستحصد مشاهدة، والفيديو سيشتعل، فلا بأس أن نتراشق بالألفاظ، وأن نتهم إنسانًا بما ليس فيه، وأن نخوض في الأعراض، وأن نفتش في الحياة الخاصة، وأن نصدر الأحكام في دقائق. أصبح البعض قاضيًا ومحققًا وطبيبًا نفسيًا وناقدًا فنيًا ومفتيًا، كل ذلك من خلف شاشة هاتف.
لكنني كنت أظن أن انقلاب المعايير، مهما اتسعت دائرته، سيتوقف عند باب واحد على الأقل: هيبة الموت.
اكتشفت أنني كنت مخطئة.
وَحَوْلَ المشهدِ، يقف مَن يزعم الانتماء إلى الصحافة والإعلام، بينما هم أبعد ما يكونون عن رسالة هذه المهنة التي من المفترض فيها الأمانة والنزاهة، ولا يكتفون بذلك، بل تتسابق الهواتف والكاميرات على «اللقطة” أي لقطة؟
وتذكرتُ وجهَ الفنانة نجلاء فتحي في جنازة ابنتها الوحيدة، ووالدها الفنان سيف أبو النجا. أيُّ لقطةٍ كانوا يبحثون عنها؟ وجهَ أمٍّ مكلومة؟ دمعةَ أب؟ أَمْ انهيارَ إنسانٍ في اللحظة التي يودّع فيها قطعةً من روحه؟
هنا لم أعد أتحدث عن الذوق، ولا عن «الصح والغلط»، ولا حتى عن المهنية. هنا أتحدث عن الرحمة.
قلت إن الخطأ أصبح عادة، ولكن أن يصل الاعتياد على الخطأ إلى أن نفقد إحساسنا بحرمة الموت ووجع الفقد، فهذه ليست حداثة ولا حرية ولا صحافة. هذا شيء ينبغي أن يخيفنا.
وأتساءل: لو أن الموت، الذي كنتم تطاردون آثاره بعدساتكم، اختار في اللحظة نفسها واحدًا منكم، هل كانت بضعة آلاف من المشاهدات ستبدو مهمة إلى هذا الحد؟ وهل يستحق «الترند» أن نجعل من أكثر لحظات الإنسان انكسارًا مادةً للفرجة؟
فالموت، كما يقول المثل الشعبي البسيط، «كاس وداير». وربما كان أجدر بنا ونحن نقف أمامه أن نتذكر أننا جميعًا في الطابور، لا أن نتسابق على أفضل زاوية للتصوير.
ولعل أغرب ما في انقلاب المعيار أننا وصلنا إلى زمن قد يبدو فيه الإنسان الذي يصلي ويصوم، ويقرأ القرآن، ويصل رحمه، ويحترم والديه، ويطلب العلم، ويؤدي الأمانة، ويخشى أن يظلم إنسانًا أو يأكل حقه… هو الغريب!
وقد يسمع الوصف الجاهز: «دقّة قديمة”.
حسنًا، سأقب
-- Advertisement --