- Advertisement -
بقلم الإعلامية رادا الجوهري
-- Advertisement --
هناك أنواعٌ من الفقدِ تُؤلِم، وأنواعٌ أخرى تُوجِع، لكنَّ فقدَ أمي… يُؤلِم ويُوجِع معًا، وجعًا يتجاوز اللغة، ويعجز عنه الوصف، ولو استدعيتُ كلَّ كلماتِ الحزن، واستنفدتُ معاجمَ اللغة، ما وسِعَت هذا الفقد، ولا بلغت حدَّ ما يعتصر القلب من انكسار.
بعد فقدان أمي لم يكن العالم قاسيًا فحسب، بل صار خاويًا لأن الفارق شاسعٌ بين أن تُواجِه الحياة وهي في ظهرك أينما كنت وأن تُواجِهها بلا سندٍ خفيّ. كل شيء يبدو في مكانه، إلا الطمأنينة التي غابت دون رجعة.
ولعلّ أكثر ما يُوجِع، أننا لا نشتاق إلى حدثٍ كبير، بل إلى تفاصيل صغيرة كانت تُنقذنا دون أن نشعر، تلك التي لخّصها محمود درويش حين قال: “أحنّ إلى خبز أمي، وقهوة أمي، ولمسة أمي”.
أمّا أنا، فلا أحنّ إلى تلك التفاصيل فحسب، بل أحنّ إلى أنفاسها… ذلك النفس الهادئ الذي كنت أطمئنّ إليه وهي نائمة، كأن انتظامه كان يضبط اضطرابي وقلقي الدائم نحوها، ويعيد للعالم اتزانه الداخلي وتوازنه النفسي. وأحنّ إلى صوتها وهي تشجّعني منذ نعومة أظفاري، في كل مرحلةٍ من مراحل دراستي، حتى كبرتُ، وأصبحتُ مذيعة، صرتُ أنتظر كلماتها بعد كل حلقةٍ أسجّلها، لا لأسمع مديحًا، بل لأستعيد نفسي في عينيها.
ما أصدق تلك اللحظات ، وما أقساها حين تُستعاد بعد غياب صاحبها ؛ فالأمّ وحدها لا تغار منك، بل تراك امتدادًا لها، وتفرح بك كما لو أنّ الحياة قد أنصفتها فيك. الأم ليست مجرد حنين، لكنها كانت الحياة نفسها.
و بعد فراقها، لم يعد الحنينُ حنينًا كما نعرفه؛ بل صار وجعًا يوميًّا، هادئًا في ظاهره، قاسيًا في أثره. أعود إلى تلك اللحظات لا لأخفّف، بل لأزداد ثِقلاً؛ كأنّ الذكرى لا تُواسِي، بل تُذكِّر بأن ما كان يحميني من هذا العالم… لم يعد له أثر.
الأم لا ترحل بل تطفئ الضوء في العالم وتتركك تتلمس طريقك وحدك. منذ غيابك يا أمي صار النهار أقل وضوحًا والليل أكثر صدقًا. بعد رحيلها اسمي وملامحي كما هي، غير أنّ شيئًا خفيًّا فيَّ نكسر… ولم يعد كما كان. أفتش عني بين تفاصيل الحياة فلا أجد إلا ظلي، فأهمس بما يشبه الاعتراف مستحضِرةً روح الشاعر نزار قباني: “أمي.. يا ملاكي يا حبي الباقي إلى الأبد”.
ومن مآثرها التي لا تُنسى، ذلك التسامح الذي كان أكبر من أي إساءة مهما كانت، وذلك القلب الذي لا يعرف إلا الصفح، فقد كانت تقول لنا دائمًا : “يا ولاداقلبوا الصفحة، والتمس لأخيك سبعين عذرًا”. فكنّا نتساءل: وهل للخطأ كل هذه الأعذار؟
لكننا أدركنا بعد رحيلها أن القلوب الكبيرة لا تُعاتِب ولا تُدقِّق في زلات الآخرين، بل تغفر إيمانًا منها أنَّ كلَّ بني آدم خطَّاءٌ. ناهِيكَ عمّا كانت تتحلّى به من ثقافة واسعة ، فقد كانت تُجيد العربية والفرنسية والإنجليزية.
وكانت تقرأ القرآن كلَّ يوم، وتحرص على التمسّك بهديِه وتعاليمه في كل شأن؛ سواء الأخلاق الحميدة أو صلة الرحم أووحُسنَ معاملةٍ للناس، وسائرَ ما أوصى به اللهُ ورسولُه صلى الله عليه وسلم من مكارم الأخلاق.
وكان دعاؤها لي لا ينقطع، وهذا أكثر ما افتقدته وأتذكر قراءتها سورة يس يوميًّا من أجلي التي كانت تمنحني طمأنينةً لا أعرف لها تفسيرًا، حتى كنت أشعر أن الحياة سهلة… وبسيطة. ثم رحلت، فازداد كل شيء تعقيدًا، وكأنني أتعامل مع الناس لأول مرة.
ومن حكمتها التي لا تغيب عن ذاكرتي، أننا—بحكم زحام الحياة وسرعة إيقاعها—كنا ننتعجِّل كل شيء، فتبتسم وتقول: ” يا ولاد، نصرف عُقريت عفريت”، وكأنها تُعلّمنا أن لكل شيء وقته، وأن ما يأتي قبل أوانه… لا يُكتب له البقاء.
ولعلّ أصدق ما يُقال بعد رحيلها، ذلك المثل الذي كنت أسمعه ولا أفهم مغزاه العميق: ” بعد أمي وأختي… كل الناس جيران”. وقد يكون قاسيًا، لكنه صادقٌ إلى حدّ الألم؛ فالأمّ وحدها تُحبك لذاتك، أما غيرها، فقلّ من يُحبك دون حساب أو مصلحة. وكثيرٌ من يُخفي في صدره ما لا يُقال صراحةً، سواءٌ كانت غيرةً أو منافسةً أو صمتًا لا يُطمئن.
كانت أمي معطاءةً بلا حدود؛ ولذلك كانت تُردِّد دائمًا قوله تعالى: ( لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتّىٰ تُنفِقُوا مِمّا تُحِبّونَ﴾
سورة آل عمران، الآية 92ّ}.
أشدُّ الأيام قسوةً في حياتي كان يومَ رحيل أمي، في السابع من مايو سنة 2024
ومنذ ذلك اليوم، صرتُ أستحضر ما لا يُحصى من الأقوال المأثورة عنها؛ حتى أكاد أجزم أن كلَّ إنسانٍ كتب عن الأم—على اختلاف لغاته—قد بلغ من صدق الشعور ما يعجز عنه الوصف.
فالأمُّ هي قلبُ الحياة الأبيض الذي لا تُغيّر الأيامُ لونَه،
وهي الأصل الذي يُصاغ منه الرجال،
وبرحيلها يفقد الإنسانُ سنده كلَّه،
وقلبها من أبدع ما خلق الله،
الأم تظلم نفسها لتُنصِف أبناءها،
وقلبها كعودِ المسك؛ كلما احترق فاح شذاه،
ولم أعرف طمأنينةً خالصةً إلا وأنا في حِجر أمي.
ومع ذلك، فكلُّ هذا الكلام—على صدقه—لن يوفيها حقّها، لكنه ربما يُخفّف وطأة هذا الغياب، ويمنح القلب بعض السكون.
ومنذ رحيلها لم تجفّ دموعي، ولا اعتاد القلبُ هذا الفقد، وكأن الغياب لا يمرّ عليه الزمن، ولكن يبقى عزائي الوحيد ن ألقاها على خيرٍ في دار الحقّ والخلد، حيث لا فراق بعد اليوم.
رحلت أمي…
وبقيتُ أتعلّم العالم من جديد،
لكن هذه المرّة
بلا قلبٍ كان يعرف الطريق.
-- Advertisement --